إن الدكتور كاريل يتنفس في بيئة آمنت بالعلم التجريبى إيمانًا مطلقًا فترة قرنين من الزمان.. وعلى الرغم من أنها بدأت في هذا القرن الأخير تفيق من نشوة انتصار العلم، وهى تراه يقف على عتبات المجهول عند آفاق كثيرة. فإن رواسب القرنين الماضيين لا تزال عميقة وعنيفة.. حتى عند الذين عرفوا (( حدود العلم ) )00
وهو في الوقت ذاته يتنفس في بيئة عرفت الدين - في أحسن صورة - تصوفًا روحيًا مرفرفًا شفيفًا، واتصالًا بالغيب من غير وساطة مادية ظاهرة، وصلاة ودعاء يغب فيها الفرد عن ذاته، ويندمج في الملأ الأعلى0
وهذه هى الصورة الوضيئة المشرقة الحبيبة إلى نفس الدكتور العالم الشاعر المتصوف المرفرف، كما يصفها في كتابه هذا، وكتابه الآخر الذى عنوانه (( الصلاة ) ).. وكما يكرر ضرورة توفير الجو المناسب لانطلاقها في حياة البشر .. وكما يثور على الحضارة المادية الصناعية، لأنها تخنقها، وتخنق معها كل شعور بالجمال، وكل نشاط فنى أو روحى أو دينى..
ومن هاتين النقطتين: نقطة الإيمان بالعلم، ونقطة تصور الدين على هذا النحو وفى هذه الحدود.. تنشأ مشكلة الدكتور كاريل، وأمثالهب ممن تهولهم فظاعة التدمير الذى تنشئه هذه الحضارة في حياة الإنسان (( وروحه ) )، وتهتف بهم أشواقهم الروحية إلى استشراف حياة فيها للعقيدة الروحية مكان..
تنشأ المشكلة من ثورته على هذه الحضارة ومن (سجنه) فى إطار هذه الحضارة في الوقت ذاته.
ومن هنا لا يرى أن هناك وسيلة أخرى لوقف هذا التدمير الذى تنشئه هذه الحضارة في الكيان الإنسانى ..
إنه لا يملك منهجًا للحياة إلا الذى يقرره العلم .. لأن الدين - كما هو في بيئته - في أحسن صورة، لا في الصورة الكريهة المنفرة الأخرى - هو مجرد نشاط روحى، وتهذيب خلقى، واتصال بالعوالم الغيبية..
وهو في صورته هذه يمثل جانبًا واحدًا من جوانب التكوين الإنسانى.
إنه لا يملك منهجًا للحياة إلا الذى يقرره العلم .. لأن الدجين - كما هو في بيئته - في أحسن صورة، لا في الصورة الكريهة المنفرة الأخرى - هو مجرد نشاط روحى ، وتهذيب خلقى، واتصال بالعوالم الغيبية..
وهو في صورته هذه يمثل جانبًا من جوانب التكوين الإنسانى. فالاقتصار عليه شديد الخطورة، لأنه معوق للنشاط الواقعى العملى الإيجابى - المادى - وهو يحذر أشد التحذير من أن يكون الهروب من الحضارة إلى مثل هذا العالم الذى لا يحوى إلا النشاط الروحى.. وهو محق تمامًا في تحذيره هذا. إذ كان لا ينشئ إلا نكسة إلى (( الرهبنة ) )التى ذاقت منها أوروبا ما ذاقت في تاريخها، والتى انتهت - كما أسلفنا - إلى الجموح المادى الكافر الغليظ الجافى.
فأما لو فكر في أن يكون للحياة منهج دينى واقعى.. فإن صورة كريهة مفزعة تخايل له. لأنها الصورة التى عرفتها كذلك أوروبا.. صورة الكنيسة الطاغية التى تفرض تصوراتها الخزافية على العلم والعلماء وعلى الحياة والأحياء .. وهى صورة كذلك أمر وأدهى0
لا مفر إذن - لأمثال هؤلاء المخلصين المساكين - إلا أن يلجأوا إلى (( العلم ) )وإلى العلم وحده. حتى فيما يحسون هم أنفسهم أن العلم لن يصل بهم فيه إلى نتائج حاسمة قاطعة كالتى وصل إليها في عالم المادة0
ولكن ماذا بيدهم؟ ماذا يملكون للبشرية غير هذا ؟
نحن - أصحاب المنهج الإسلامى للحياة - نملك للبشرية ما لا يملكه أحد آخر على ظهر هذا الكوكب .. ونملك أن ننقذ دكتور كاريل نفسه من حيرته هذه، وأن نستجيب لصراخه المخلص العميق الحاد !!!
ونحن _ أصحاب المنهج الإسلامى للحياة - ندرك من دراستنا لموقف الدكتور كاريل الذى يستحق العطف والرثاء أننا - وحدنا - مكلفون أن نتقدم لحمل العبء، ولندل البشرية على طريق الخلاص، ولننشئ هذا الطريق أيضًا 00
نحن نملك منهجًا للحياة، لا يعادى العلم مطلقًا ، ويرحب بمزيد من علوم الإنسان على وجه الخصوص.. ولكنه في الوقت ذاته لا يكل لهذا العلم - وحده - بناء الحياة الإنسانية، إنما يضع الإطار العام الذى يعمل فيه العلم ويعمل فيه العقل، في دائرة مأمونة 00
هذا الإطار من صنع الذى (( يعلم ) )حق (( العلم ) )حقيقة هذا الإنسان فطرته، وطاقاته، وحاجاته الحقيقة. فلا تخفى عليه من الإنسان خافية! ولا يضع أمام عشرات المسائل ومئاتها في حياة الإنسان وتركيبه علامة استفهام واحدة ؟!
وهو إطار واسع جدًا، شامل للإنسان كله. تدور الحياة البشرية في داخله على محور ثابت. فتتحرك دائمًا حول هذا المحور، وداخل هذا الإطار، حركة نامية متجددة، وهى في الوقت ذاته آمنة سالمة 0
ومنهجنا هذا لا يجعل الدين مجرد ذلك النشاط الروحى الذى لا يعرف دكتور كاريل صورة غيره للدين 00 إنما هو يجعل الدين بوتقة الحياة كلها .. تصهر فيه، ثم تشكل في جميع صورها وألوانها، كما يجعله هو الإطار الذى تزاول الحياة كل نشاطها في داخله وهو المحور الذى تشد الحياة كلها إليه. والعقل والعلم والصناعة والاقتصاد والسياسة والصلاة والدعاء والاتصال بالملأ الأعلى ظواهر لهذا النشاط حول هذا المحور وداخل هذا الإطار .. إن منهجنا يفهم (( الدين ) )على أنه هو منهج الحياة الإنسانية بكل مقوماتها .. المنهج الذى وضعه الله، وارتضى أن تسير وفقه الحياة0
ومن ثم نجد طريقًا للخلاص. يحتوى - في بعض مراحله - طريق الدكتور كاريل، بلا تعارض ولا تخاصم ولا شقاق0
إن منهجنا يبدأ من نقطة سابقة جدًا على النقطة التى يبدأ منها دكتور كاريل، والكثيرون غيره من المخلصين الغربيين، الذين لا ينقصهم الإخلاص. ولا تنقصهم الخبرة، ولا تنقصهم الرغبة في تدارك البشرية من الهاوية التى تنحدر إليها. ولكنهم مع هذا (( سجناء ) )بيئتهم وحضارتهم.. أبعد خطاهم وثبة في داخل القفص .. لا تتعداه إلى منهج مبتكر من أصوله. لأنهم لا صلة لهم بهذا المنهج من الناحية التاريخية ولا من الناحية الشعورية - على فرض معرفتهم به من الناحية العلمية - إذ المعول في مثل هذه المواقف الفاصلة على رواسب التاريخ وكوامن الشعور0
منهجنا يبدأ من نقطة تصحيح مركز الإنسان في هذا الوجود . وتعيين مكانه ودوره، ووظيفته وحقوقه وواجباته 00
إنه ليس إلهًا ينازع (( الآلهة ) )! وتنازعه . وليس كذلك حيوانًا جاءت سيادته على الأرض مصادفة، وقد يقوم مقامة في هذه السيادة غدًا قط أو فأر ! وليس آلة تحسب قيمته بقوة (( الأحصنة ) )التى يساويها في قوة التحريك والإدارة . وليس عبدًا للمادة، ولا هو لوحة تطبع فيها المادة (أو الطبيعة) ما تريد . وليس عبدًا للآلة، تصرف حياته وأفكاره وأوضاعه كما تتصرف هى وتتقلب. وليس (( نمرة ) )ولا مجموعة (( نمر ) )تتحرك داخل القطيع، بلا شخصية مميزة، ولا كيان (( فردى خاص ) )0
وليست المرأة أحبولة للشيطان، وليس اتصال الجنسين رجسًا من عمل الشيطان0 وليست اللذة والمتعة هى غاية هذا الاتصال، ولا الهوى دافعه ومانعه على السواء0 وليس الجنسان سواء في وظيفتهما وعملهما، وليس مجرد التفرقة بينهما في التكوين البيولوجى عبثًا لا معنى له ولا هدف وراءه00 إلى آخر ما مرت به النظرة إلى (( الإنسان ) )من تخبط واضطراب00