فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 2255

كلا00 إنما الإنسان00 (( إنسان ) )وليس إلها- هو سيد هذه الأرض ومسخر له كل ما فيها، وعليه أن يخلف الله - سبحانه - فيها، ويغير فهيا ويبدل، وينمى فيها ويرقى، وهو معان على استغلالها كنوزها وطاقاتها. معان بما وهبه الله من قوى وطاقات، ومعان بما في نواميس هذا الكون من عون للإنسان في هذا المجال.. وفى الوقت ذاته هو من نفسه في حرم مقدس. حرم من حرمات الله. لا يمسح إلا بإذن الله، ولا يعمل فيه إلا بمنهج الله. ولم يوهب معرفة أسرار هذا الحرم - إلا بقدر - ولم يسمح له أن يضع له من تلقاء نفسه المناهج والخطط والشرائع والأوضاع. ولم يؤذن له أن يتخذ إلهه هواه ..

وهو (( إنسان ) )- وليس حيوانًا - هو مخلوق فذ في هذا الكون. مخلوق قصدًا، ولخلقته حكمة. ومزود بطبيعة خاصة - فوق طبائع الحيوان - وبخصائص معينة - فوق خصائص الحيوان - لآداء وظيفة معينة في الأرض لا يؤديها الحيوان . وله - من ثم - مقام كريم ، يعادل وظيفته الكريمة .. كان كذلك يوم نشأ، وهو كذلك اليوم، وسيكون كذلك غدًا .. والذين خالفوا عن هذه الحقيقة يعودون إليها مرغمين الآن 0

وهو (( إنسان ) )- وليس آلة، ولا عبدًا للآلة، ولا من صنع المادة، ولا من صنع الآلات - وهو كائن معقد شديد التعقيد، ليست له بساطة المادة ولا طواعية الآلة. والذى نعلمه عن تعقيده قليل - ونحن في أول الطريق من علوم الإنسان، ولم نصل بعد إلى المزيد من علوم الإنسان الذى يتطلبه دكتور كاريل- ومع ذلك فقد واجهتنا (( الحياة ) )بتعقيدها المخبف الذى لم تواجهنا به المادة، وواجهنا (( الإنسان ) )بتعقيد أشد هولًا00

فمن الجرأة المتهورة المتهجمة على (( العلم ) )وقواعده، الزعم بأن هذا الإنسان مادة، والتعامل معه كالتعامل مع المادة00 ومن التخبط أن نزعم أنه كالآلة ونعامله كما نعامل الآلة00 ثم من التوقح البغيض أن نقول: إن الآلة (أداة الإنتاج) هى الآلة الذى يغير فيه ويبدل كما يشاء!!!

وهو (( إنسان ) )- وليس (( نمرة ) )ولا فردًا من القطيع- هو إنسان يتميز أفراده بعضهم من بعض، ويتمتع كل فرد بذاتية مستقلة لا نظير لها، ووحدانية حقيقية- رغم اشتراكهم جميعًا في خصائص إنسانية عامة- ولكل فرد منهم (( خصائصه الذاتية ) )إلى جانب (( الخصائص الإنسانية ) )00 ومن ثم ينبغى أن يكون النظام الاجتماعى، والنظام الاقتصادى، والنظام السياسى0 والطريقة الفنية للعمل في المصانع وغيرها (التكنولوجيا) مبنية على أساس ملاحظة (( الخصائص الإنسانية ) )العامة أولًا. و (( الخصائص الفردية الذاتية ) )ثانياص. فلا يحشر الجميع في نظام للعمل كالقطيع. ولا يكون عمل الفرد في المصنع أو في أى مكان، بديلًا عن عمل الآلة، المتماثلة الغرز والطرقات.

وحين تحترم خصائص الإنسان العامة، وخصائص الأفراد الذاتية، فلن يتعذر على المهندسين والمديرين إيجاد طرائق العمل الفنية التى تحافظ على هذه الخصائص وتلك، ولن يتعذر على (( التكنولوجيا ) )أن تضمن الإنتاج الكبير وتضمن في الوقت ذاته المحافظة على هذه الخصائص وتلك، فلا تسحق (( الإنسان ) )ولا تسحق (( الفرد ) )فى عمل أو نظام0

وهو (( إنسان ) )من ذكر وأنثى.. من نفس واحدة، نعم .. ولكنهما جنسان ومنهجنا يعرف هذه الحقيقة بشطريها، ويكفل لشطرى النفس الواحدة حقوقًا واحدة - فيما يتعلق بالأصل الإنسانى العام - ولكنه في الوقت ذاته يفرض على كل منهما واجبات مختلفة، وفق الوظيفة الخاصة في العمران، ووفق طاقة كل منهما ومجموعة تكاليفه، فلا يكلف المرأة المسكينة مثلًا أن تحمل وترضع وتربى، وفى الوقت ذاته تعمل وتكدح وتشقى.. بينما الرجل لا يشاركها الحمل والرضاع والتربية. ثم يزعم بعد ذلك أنه ينصف المرأة ويحترمها ويرقيها! ولا يكلف المرأة أنم تهمل صناعة (( الإنسان ) )لتشغل بصناعة (( الأشياء ) ). فالإنسان في منهجنا أغلى من الأشياء . ولا يجوز فيه أن تشتغل المرأة المثقفة الماهرة الحكيمة بصناعة الأشياء وإنتاجها، وأن تستجلب لأبنائها امرأة أخرى أقل ثقافة ومهارة وحكمة، وأرخص أجرًا بالطبع، لتشرف لها على (( الأبناء ) )بينما هى تشر ف على (( الأشياء ) )!

وهكذا - وفى ظل هذا المنهج، ومن نقطته السابقة في البدء - يصبح المزيد من عولم الإنسان ذا قيمة في موضعه المناسب، في مرحلة من مراحل الطريق. لا من بدء الطريق.

ومنهجنا لا يجد نفسه - بعد ذلك - في مشكلة أمام الصناعة والحضارة الصناعية 00

إن هذا المنهج لا يرفض الحضارة الصناعية ولا يجفل منها، ولا يتنكر لها .. إنها - ابتداء - وليدة اتجاهه المبكر إلى (( العلم التجريبى ) )، هذا الاتجاه الذى انتقل إلى أوروبا عن طريق جامعات الأندلس وعلم المشرق - كما يقرر بريفولت ودوهرنج وجب وغيرهم ممن لا يملكون إنكار الحقائق التاريخية - وهذا الاتجاه هو أصلًا وليد نظرة الإسلام إلى الكون والحياة والإنسان، ودور الإنسان في هذه الأرض. ووليد طبيعة المنهج الإسلامى إلى (( واقعيات ) )الكون، وتدبرها والانتفاع بها. وهو اتجاه مخالف تمامًا لاتجاه الفلسفة الإغريقية التجريدية، التى ورثتها العقلية الأوروبية، ومخالف كذلك للتصورات الكنيسية، التى كانت تجعل علوم الكون المادى (( تصورات مقدسة ثابتة ) )بينما الإسلام يطلق العقل البشرى - في هذا المجال - ليبحثن، ويجمع الشواهد، ويتتبع الظواهر، وينشئ القوانين، ويتحرى وسائل استخدامها وتسخيرها في عالم الواقع. ويخطئ ويصيب بلا تجريم ولا تأثيم0

وإذن فإن هذا المنهج لن يرفض الحضارة الصناعية، لأنها وليدة طرائقه المنهجية التى انتقلت إلى أوروبا، فرفضتها الكنيسة وشنت عليها حربًا شعواء قاسية، انتهت بهزيمة الكنيسة، وانتهت - مع الأسف - بهزيمة الدين كله لارتباطه في أوروبا بالكنيسة 00

إن القاعدة التى يقوم عليها بناء الحضارة الحديثة - من الناحية العلمية - ليست غريبة علينا. بل هى ابتداء من عندنا - كما رأينا - ومنهجنا ينظر إلى نتاج الحضارة - من الناحية العلمية - نظرته إلى أمانة ردت إليه، وساهم هو في نشأتها مساهمة أساسية قبل خمسمائة عام. وبينه وبينها صلح قديم من حيث أن طبيعة المنهج الإسلامى التى تنفر من الفلسفة النظرية المجردة - على الإغريق - وتتجه إلى (( المثالية الواقعية ) )أو (( الواقعية المثالية ) )كانت هى الحافز الأول لهذا الاتجاه العلمى التجريبى الذى لم تكن جذوره أو أوروبا. لا من الحضارةن الإغريقية ولا من الحضارة الرومانية، ولا من التصورات الكنيسة هذه التصورات التى لم تكن سوى خليط من النصرانية السمحاء التى جاء بها عيسى - عليه السلام - والوثنية المخرفة التى أدخلها فيها قسطنطين وكبار رجال الدولة الرومانية حين دخلوا في النصرانية ، وزاد طينتها بلة التصورات الكنيسة عن الآراء العلمية الخاطئة التى كانت رائجة في زمانها، وتبنتها الكنيسة، واعتبرتها آراء مقدسة عن الكون المادى والحياة 0

إنما الذى يرفضه منهجنا ويشتد في رفضه، من هذه الحضارة، هو شىء آخر غير الأساس العلمى التجريبى الذى تقوم عليه 0

إنه سيرفض المذهب المادى (الوضعى أو الحسى) الذى يجعل المادة هى الوجود - ولا شىء غير المادة - وقد تحطمت هذه النظرية (( علميًا ) )أو تكاد والحمد لله. والذى يجعل (( الإنسان ) )تابعًا للمادة يتلقى منها فقط، ويتكون من انطباعاتها - وحدها - عقله وتفكيره وتصوراته، كما يتكون جسمه سواء، مع اعتباره سلبيًا تجاه المادة سلبية مطلقة (كومت وزملاؤه) .. والذى يجعل تطورات التاريخ في معزل عن إيجابية الإنسان، ويردها فقط إلى أدوات الإنتاج (كارل ماركس وزملاؤه) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت