وفي باب آخر من هذه الوثيقة: تحت عنوان أصول شرعية في حقوق المرأة وواجباتها تكلمت الوثيقة عن عدد من النقاط كان منها: التأكيد على موضوع الأسرة وعلى موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة وأنها علاقة تكاملية وليست تماثلية, وقالت في بند من بنودها:- حفظت الشريعة الإسلامية - المراعية للعدل - أن للمرأة حقوقًا في المجتمع تفوق في الأهمية الحقوق التي تضمنتها وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة القائمة على أساس المساواة التماثلية وتغفل الجاهلية المعاصرة هذه الحقوق ولا تبالي بانتهاكها, مثل حق المرأة في الزواج حسب الشريعة الإسلامية وأيضا حقها في الأمومة وحقها في أن يكون لها بيت تكون ربته ويعتبر مملكتها الصغيرة حيث يتيح لها الفرصة الكاملة في ممارسة وظائفها الطبيعية الملائمة لفطرتها ولذا فإن أي قانون أو مجتمع يحد من فرص المرأة في الزواج يعتبر منتهكًا لحقوقها ظالما لها.
ومعلومٌ أن الفكر النسوي ينتهك هذه الحقوق، حق الزواج وحق الأمومة، فاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة تدعو الدولة الموقعة أن تدعم تعليم وعمل المرأة ولو على حساب الزواج وتحارب الزواج المبكر هذا فضلا عن موقف التيار النسوي المتطرف المطالب بإلغاء قدسية الزواج، وتكلمت الوثيقة أيضا في باب آخر تحت عنوان رؤى الوثيقة عن نقاط عدة, منها: أن الإسلام بعد تقرير المساواة بين الرجل والمرأة في معنى الإنسانية والكرامة البشرية والحقوق التي تتصل مباشرة بالكيان البشري المشترك والمساواة في عموم الدين و التشريع, يفرق بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق والواجبات تبعًا للاختلاف الطبيعي الحاصل بينهما في المهام والأهداف والاختلاف في الطبائع التي جبل عليها كل منهما ليؤدي بها وظيفته الأساسية، وهنا تحدث الضجة الكبرى التي تثيرها المؤتمرات الكبرى الخاصة بالمرأة وروادها و يثيرها المنتسبون للحركة النسوية العالمية ومقلدوها في العالم الإسلامي المروجون لفكرة المساواة التماثلية بين الجنسين، إن المساواة في معنى الإنسانية ومقتضياتها أمر طبعي ومطلب عادل فالمرأة والرجل هما شقا الإنسانية، والإسلام قرر ذلك بصورة قطعية لا لبس فيها، أما المساواة في وظائف الحياة وطرائقها فكيف يمكن تنفيذها؟ هل في وسع هذه المؤتمرات والحركات النسوية ومنتسبيها من الرجال والنساء بقراراتهم واجتماعاتهم أن يبدلوا طبائع الأشياء؟ وأن يغيروا طبيعة الفطرة البشرية؟
إن مزية الإسلام الكبرى أنه دين ونظام واقعي يحكم في مسألة الرجل والمرأة على طريقته الواقعية المدركة لفطرة البشر فيسوي بينهما حين تكون التسوية هي منطق الفطرة الصحيحة, ويفرق بينهما حين يكون التفريق هو منطق الفطرة الصحيحة، قال تعالى:"أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الملك:14) , وفي فقرة أخرى عللت الوثيقة أسباب التمايز بين الرجل والمرأة في الميراث والشهادة والدية والعمل والتعليم والحجاب وغير ذلك من الرؤى التي تخص المرأة، وفي النهاية تذكر الوثيقة مطالب وتوصيات موجهة للحكام وللمجتمع وللمرأة وأيضا للناشطين في مجال الحقوق من المسلمين ومن غير المسلمين وتختم الوثيقة مطالبها بالاهتمام بالبرامج العملية التي تقوم على أساسين:
الأول: الثوابت الشرعية من عقائد وأحكام ومقاصد.
والثاني: الملاءمة الواقعية لمستجدات الحياة، ثم تبشر الوثيقة بأن الإسلام هو أكثر الأديان انتشارًا في العالم الغربي وأن أكثر من يسلم في الغرب من النساء, هذه أهم أفكار الوثيقة.
وأرجو أن يتبعها وثيقة أخرى تتكلم عن مشكلات المرأة في المجتمع ثم ثالثة تطرح البرامج والحلول في المجتمع لتكون مبادرة من أهل العلم والمثقفين وأهل الغيرة والمصلحين لحماية مجتمعهم من هذه الفتنة العاصفة المتمثلة في فساد الفكر الوافد الذي تمثله الحركة النسوية العالمية وإسقاطاتها في المجتمع وللعناية بالمرأة تربيةً وتنميةً لتقوم بدور فاعل برؤية شرعية واثقة.
منهج المستشرق برنارد لويس في دراسة الفكر السياسي الإسلامي
إعداد
د. مازن بن صلاح مطبقاني
29ذي الحجة 1418هـ (26أبريل 1998م)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أتقدم بجزيل الشكر للمجمع الثقافي بأبو ظبي وعلى رأسه الأستاذ خلفان مصبح على كريم دعوتهم لي لتقديم هذه المحاضرة. وأشكر الدكتور وليد العكو على جهوده في الاتصال بي وتسهيل أموري الخاصة بالسفر. إنني سعيد أن أكون بين إخواني الكرام هنا في الإمارات العربية المتحدة التي طالما تطلعت لزيارتها لما أعرفه فيها من نشاطات علمية مباركة حتى إن منظمة اليونسكو قد اختارت الشارقة لتكون العاصمة الثقافية للعالم العربي. وإن أبو ظبي شقيقة الشارقة لا تقل عنها أبدًا في نشاطاتها الثقافية.
أما موضوع المحاضرة فيتعلق بأحد أعلام المستشرقين في العصر الحاضر ومنهجه في دراسة الفكر السياسي الإسلامي. وأود في البداية أن أعرّف بقسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة. فقد أنشأت عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وَحدة الاستشراق والتنصير عام 1400هـ (1980م) ، وعمل فيها كل من الأساتذة الأفاضل الدكتور محمد فتحي عثمان والدكتور جعفر شيخ إدريس والدكتور قاسم السامرائي والدكتور السيد محمد الشاهد والدكتور إبراهيم عكاشة، وقد تم نشر عدة أعمال من إنتاج أساتذة هذه الوحدة منها: كتاب الدكتور إبراهيم عكاشة حول التنصير في البلاد العربية، وترجمة كتاب الدكتور عبد اللطيف الطيباوي حول المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية. وكانت هذه الوحدة مقدمة التفكير في إنشاء قسم أكاديمي في كلية الدعوة يهتم بدراسة أعمال المستشرقين ومراكز الاستشراق ودراسة التنصير. وهذا القسم يقبل الطلاب في مرحلة الدراسات العليا فقط بعد أن يتمكنوا من الدراسات الإسلامية في المرحلة الجامعية، وأحيانًا يعطي الطلاب سنة تأهيلية تأصيلًا لهم في هذه العلوم.
وقد حصل على الدكتوراه ثلاثة من منسوبي الكلية كانت الرسالة الأولى حول كتابات برنارد لويس ومنهجه في دراسات الجوانب الفكرية في التاريخ الإسلامي، والثانية حول الجوانب العقدية في دائرة المعارف الإسلامية التي أنتجها المستشرقون، والثالثة حول مناهج المنصرّين البروتستانت في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد أنجزت عشرات البحوث التكميلية في شتى فروع المعرفة في العلوم الإسلامية التي خاض فيها المستشرقون. وقد أصدر القسم الكتاب الدوري الأول ولدى القسم وحدة المعلومات التي تضم آلاف المقالات حول الدراسات الاستشراقية.
هذا القسم له نشاط علمي بارز في الصحافة المحلية، كما تم تمثيل هذا القسم في المؤتمر العالمي الخامس والثلاثين للدراسات الأسيوية والشمال أفريقية الذي عقد في بودابست بالمجر، وكذلك في المؤتمر الدولي للدراسات الاستشراقية الذي عقد في تطوان بالمغرب، وفي المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين الذي عقد في ليدن بهولندا. وأسمح لنفسي بالرغم من أنني أحد أعضاء هذا القسم لأقول بأن جامعة الإمام كان لها الريادة في العالم الإسلامي بإنشاء هذا القسم الهام، وقد فكر الأزهر مؤخرًا في إنشاء مركز للدراسات الاستشراقية ، وأرجو أن يفيد من تجربة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.