على المستوى الخارجي: المشاركة الفعالة في هذه اللجان والمؤتمرات ولا أرى أن المقام يتسع للمقاطعة لأن الضعيف إذا قاطع لا يؤبه به - ونحن ضعفاء ماديًا وسياسيًا في هذه المرحلة - وإنما إذا شارك أثبت حضوره وقرر فكره ونشر مبادئه بخلاف القوي إذا قاطع فسيكون له أثر, فالولايات المتحدة الأمريكية عندما قاطعت اليونسكو ضعفت اليونسكو بسبب أن الذي قاطع دولة قوية كالولايات المتحدة الأمريكية لكن إذا أتت بعض الدول الإسلامية وقاطعت مؤتمرات عالمية فان هذا لا يؤثر كثيرًا فمن الحكمة -والله أعلم- أن نشارك ونطرح وجهة النظر الشرعية والرؤية الإسلامية بقوة وبدون انهزامية حتى نزاحمهم ونكاثرهم ونثبت في وثائق هذه المؤتمرات وجهة النظر الإسلامية ونمنع تفرد وجهة نظر النسوية العالمية التي تتبناها السياسة الغربية والأمم المتحدة والحذر من أن نظهر وكأننا نريد أن نتوافق مع مواد اتفاقية (سيداو) أو مقررات بكين لأننا لا نستطيع أن نستبدل مرجعيتنا الشرعية والثقافية بهذه المقررات فالله سبحانه وتعالى يقول (فماذا بعد الحق إلا الضلال) ، ولأن مجتمعنا سيرفض ذلك تماما فهذا الخيار غير ممكن، ولذا سنستمر في جدل مع لجان المتابعة ومجاملات لهم توصلنا إلى حال مرتبك، لكن إذا أظهرنا ديننا ومبادئنا وأعلنا ثوابتنا وأن قيم مجتمعنا نشأت على أساس مبادئ وأحكام الشريعة التي قامت عليها شرعية الدولة ونشأ عليها المجتمع فيمكن أن ننفذ بهذه الحجة التي قد لا يقتنعون بها في البداية لكن بعد الإصرار والثبات والعرض القوي الحكيم، ولذا يكون من المناسب أن يتضمن الموقف نقد مفهوم الحرية الغربي ومفهوم المساواة القائم على فكرة التماثل بين الجنسين وظيفيًا، ونبين موقف الإسلام من هذه القضايا بحسن عرض وقوة منطق، فنتحدث عن العدل في مقابل المساواة, وأن المساواة ليست دائما تحقق العدل بل تكون أحيانا ظلمًا وهذا ما يحصل بالنسبة للمرأة الغربية فهم يظنون أنهم يحققون لها المساواة وهذا ليس صحيحا لأن التسوية بين المختلفين تكون ظلمًا في كثير من الأحيان وفي حالتنا هذه تكون المرأة هي المظلومة.
على المستوى الداخلي: هناك اطروحات ليبرالية داخلية تريد أن نبدأ درجات السلم الاولى للهبوط من خلال التوافق مع أجندة المؤتمرات أو بعضها مستثمرين ظروف المرحلة، ومواجهة هذه الاطروحات يكون بعمل ايجابي يقوم على حل مشكلات المرأة بالتزامن مع تطوير وتنمية أدائها لوظائفها ودورها الاجتماعي، ويكون ذلك بالتالي:
أولًا: من خلال تحرير الموقف الشرعي من حقوق المرأة وواجباتها بوضوح، وبيان أن مقتضى كون الشريعة مرجعًا لنا هو قبول هذا الموقف والانقياد له في المجتمع المسلم.
ثانيًا: من خلال بيان ما يواجه المرأة من مشكلات, المرأة تواجه مشكلات كثيرة في أي مجتمع من المجتمعات مثلها مثل غيرها من أفراد المجتمع, فالرجل له مشكلاته, والأطفال لهم مشكلاتهم , المعاقون لهم مشكلاتهم وهكذا , ونظرًا لأن المرأة لها اعتبار خاص وقضيتها مطروحة الآن وهي مدخل للفتنة في مجتمعنا كما هي فتنة للحضارة الغربية المعاصرة فلا بد أن نواجه هذه القضية بما يكافئها علميًا وعمليًا ومنها أن ننظر في مشكلات المرأة التي تواجهها في المجتمع بنظر شرعي واقعي.
ما هي مشكلات المرأة مع الرجل؟ ما هي مشكلات المرأة في المجتمع؟ ما هي مشكلات المرأة مع الأنظمة؟ ما هي مشكلة المرأة مع المرأة؟ هناك مشكلات تواجهها المرأة مع المرأة يغفل عنها كثير من المهتمين بشأن المرأة، المرأة كثيرا ًما تظلم المرأة، كم تظلم الضرة ضرتها؟ كم تظلم زوجة الابن أم الزوج والعكس؟ كم تظلم العميدة عضوات التدريس؟ كم تظلم المدرسة الطالبات؟ كم تظلم المديرة المدرسات والموظفات؟ وهكذا...
ثالثًا: اقتراح البرامج العملية لحل هذه المشكلات بأن يبادر أهل العلم والمثقفون والدعاة والمصلحون وأصحاب الغيرة للتصدي لهذه القضية ولا تترك للناعقين والمتفيهقين ولمدعي العلم والثقافة ممن في قلبوبهم مرض, المستنسخين لفصول من الثقافة النسوية الغربية، مستقوين بفكر العولمة الذي يدعم هذا الاتجاه ومستغلين ظروف البلاد بعد أحداث سبتمبر عام 2001م.
من المبادرات الجيدة لبعض أهل العلم والدعوة صدور وثيقة تحمل تصورًا شرعياُ لقضايا المرأة سميت بـ (وثيقة حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام) وقعها أكثر من ثلاثمائة عالم وداعية ومفكر ما بين رجل وامرأة، وهذه الوثيقة قسمت إلى أقسام:
أولا: منطلقات أساسية ذكرت الوثيقة عددًا من المنطلقات التي يجب أن يبنى عليها أي مشروع للمرأة سواء في بيان الموقف الشرعي تجاه المرأة أو عند مناقشة المشكلات أو في مرحلة طرح البرامج والحلول واذكر فقرتين كنموذج لما ورد في باب المنطلقات من هذه الوثيقة المتميزة:
الفقرة الأولى: تقرر الوثيقة أن دين الإسلام هو دين العدل ومقتضى العدل التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين ويخطئ على الإسلام من يطلق أنه دين المساواة دون قيد, حيث أن المساواة تقتضي أحيانا التسوية بين المختلفين وهذه حقيقة الظلم ومن أراد بالمساواة العدل فقد أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ ولم يأت حرف واحد من القرآن يأمر بالمساواة بإطلاق وإنما جاء الأمر بالعدل قال تعالى:"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ" (النحل: من الآية90) فأحكام الشريعة قائمة على أساس العدل فتسوي حين تكون المساواة هي العدل وتفرق حين يكون التفريق هو العدل قال تعالى:"وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (الأنعام:115) أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام لذا فإن الإسلام يقيم الحياة البشرية والعلائق الإنسانية على العدل كحد أدنى فالعدل مطلوب من كل أحد مع كل أحد في كل حال قال تعالى:"وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (المائدة: من الآية8) .
الفقرة الثانية في هذا الباب: في مجال العلائق بين البشر تعتبر الجاهلية الغربية المعاصرة الفردية قيمة أساسية والنتيجة الطبيعة والمنطقية لذلك هو التسليم بأن الأصل في العلاقات بين البشر تقوم على الصراع والتغالب لا على التعاون والتعاضد و على الأنانية والأثرة لا على البذل والإيثار وهذه ثمرة الانحراف عن منهج الله, فصراع الحقوق السائد عالميا بين الرجل والمرأة هو نتاج طبيعي للموروث التاريخي والثقافي الغربي بجذوره الميثولوجية (الدينية) الذي تقبل أن فكرة العداوة بين الجنسين أزلية وأن المرأة هي سبب الخطيئة الأولى وهذا الموروث ربما التقى مع بعض الثقافات الأخرى ولكنه بالتأكيد لا ينتمي إلى شريعة الإسلام ولا إلى ثقافة المسلمين فالحقوق عند المسلمين لم يقرها الرجل ولا المرأة إنما قررها الله اللطيف الخبير.