الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وجعلنا خير أمة أخرجت للأنام ، أحمده سبحانه وأشكره فحق أن يحمد سبحانه على الدوام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له يقصد أو يرام وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة سرمدية متصلة على الدوام.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا رحمني الله وإياكم أنه لايمكن لعدو الملة والدين أن يبغي الخير لأمة الإسلام،والأمثلة العملية شاهدة على ذلك فكم من دولة دخلوها بحجة رفع الضيم والجور عن أهلها وبشروهم بالسعادة والأمن و الرفاهية،فماذا كانت النتيجة؟ جعلوا أعزة أهلها أذلة،ونهبوا خيراتها،وانتشر الفقر والخوف والقتل في جنباتها وأسوأ من ذلك أن الفتنة الطائفية بدأت تطل برأسها بعد أن كانت خامدة لسنين طويلة، أيها الأحبة في الله لنربي أنفسنا وبناتنا ونسائنا على الفطنة واليقظة وعدم الانخداع بالشعارات الجوفاء،لنغرس فينا وفيهم عقيدة راسخة كالجبال لا تتزعزع وهي أن السعادة والأمن والرخاء هو في التقيد بشريعة الله وأن الشقاء والضنك والذل والتخلف هو في البعد عنها،يوم أن تمسك بشريعة الله سلفنا الصالح رجالًا ونساء قادوا البشرية فأسعدوها ويوم بدأ التفلت من شريعة الله والتمرد عليها أصاب الأمة ما أصابها، وقد حذر الله الأمة من ذلك في كتابه يوم أن قال: {...فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (6) .ولا يعني ذلك أيها الأحبة في الله التقوقع على النفس وعدم الاستفادة مما عند الآخرين،لا بل نأخذ ما عندهم من علم وتقنية وفوائد أخرى دون التخلي عن ديننا وقيمنا وأخلاقنا.
( [1] ) الأعراف: 96. (2) الأنعام: 38 (3) الأعراف: 27. (4) لبنى وجدي الطحلاوي،التكنولوجيا بديلًا عن الرجال ، مجلة المنار ، العددالسابع والسبعون ، السنة السابعة،ذو الحجة 1424هـ،ص32. (5) النور: 19. (6) طه:123-124.
الابتعاث ومخاطره
تأليف
محمد بن لطفي الصباغ
توزيع
رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
بالمملكة العربية السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم
الابتعاث ومخاطره (*)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمد عبده ورسوله .
أما بعد
فقد آثرت أن أبحث في موضوع الابتعاث لما أرى له من الأهمية العظمى والخطورة البالغة , ذلك أن مستقبل بلاد العالم الإسلامي - يتوقف إلى حد بعيد - على هذه البعثات التي سيكون من أفرادها رجال المستقبل , وحكام هاتيك البلاد , والقيادات الفكرية فيها .
وإنني أشكر للقائمين على هذا المؤتمر إدراجهم هذا الموضوع في جملة الموضوعات التي يعالجها المؤتمر , فذلك يدل على تنبه بخطر هذه الظاهرة التي لا ييتطيع الدعاة تجاهلها , لأن ما يبنيه الداعية في مجال , يهدمه المنحرفون من المبتعثين , لاسيما إن كانت في أيديهم السلطة والصلاحيات .
حوادث صارخة تستلفت النظر:
سمعت مرة من أحد رجالات اليمن أن آلافًا من الشباب من أبناء هذا البلد المسلم الشقيق المؤمن , أُرسلوا إلى الدول الشيوعية , ليدرسوا هناك جوانب مختلفة من المعرفة والاختصاصات .
وعلمتُ في الصيف المنصرم , خلال رحلتي إلى أوربا , أن الصومال ترسل الألوف من أبنائها أيضًا , إلى الدول الشيوعية والاشتراكية ليدرسوا هناك العلوم والمعارف .
وحدث أنني منذ عشر سنوات اجتمعت في الطائرة بشاب من بلد عربي يتوقد ذكاءً , قص عليَّ قصة دراسته , وخلاصتها: إنه كان الأول في امتحان الشهادة الثانوية , فاتصلت دولة من الدول الاشتراكية بوزارة التربية في ذلك البلد , وعرضت عليها الرغبة في أن تعطي هذا الطالب الذكي منحة دراسية في أي فرع نادر من فروع التخصص يرغب فيه , وذهب إلى المدرسة , ولكنه - كما بدا من حديثه - لم يتلق العلم فقط هناك وإنما تلقى الفكر الشيوعي الماركسي وأصبح من المؤمنين به والمدافعين عنه .
مكر مدبر:
ليست عداوة الكافرين للمسلمين خافية على ذي بصيرة , فهم لا يألوننا خبالا , وما أصدق وصف القرآن الكريم لهم , وذلك في قوله تبارك وتعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * » سورة آل عمران 118-120
فهم منذ أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم , بهذه الرسالة وهم في مكر مستمر , وقد صفا لهم الجوُّ عندما ضعفنا وأصبحوا أقوياء , وخيم علينا الجهل وتقدموا هم , في مجال العلوم المادية , واستطاعوا احتلال بلادنا , فزين لهم ذلك المضيَّ في عدوانهم علينا , والإمعان في الإستيلاء على بلادنا وثرواتنا , ولكنهم رأوا أن جذور الإسلام عميقة في كيان المسلم مهما كان هذا الفرد المسلم مقصرًا , ووجدوا أن روح الإسلام ومعانيه ومثله العليا , مستولية أشد الاستيلاء على مشاعر الناس وتصوراتهم
فواجهوا هذا الواقع بالمكر والتدبير , وخططوا لإزالة هذه العقبة من طريقهم ... وهي هذا الإسلام الذي لن يمكنهم من تحقيق أغراضهم وأطماعهم , مادام حيًا في نفوس المسلمين وسلوكهم .
فمن ذلك كلمة غلادستون أحد زعماء بريطانيا:"مادام هذا القرآن في أيدي المسلمين فلن يقر للاستعمار قرار في ديار الإسلام"وأمثال هذه الكلمة كثير .
وفكروا وقدروا , ثم فكروا وقدروا , ودرسوا كيف يمكنهم أن يزحزحوا الإسلام عن مكانته في صدور المسلمين ؟ وكيف يقتلعون هاتيك الجذور بهدوء ويسر ونجاح ؟ وقادهم تفكيرهم وتقديرهم إلى وسائل عدة ... استخدموها بإتقان وإحكام .
وكان من ذلك الابتعاث , والتبشير ونشر التحلل والإفساد الخلقي والحملات العسكرية المسلحة , والتشكيك , والإلحاد , ومحاربة اللغة العربية , وبعث القوميات العنصرية , والنزعات الوطنية الضيقة لتحل محل الدين , وإفساد مناهج التعليم , ووسائل الإعلام .