فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 2255

وجناية الحضارة الراهنة، وسبب فسادها الأساسى، وإهدارها للقيم الإنسانية والخصائص الإنسانية، والمقومات الفردية.. وكل ما يدمغها به دكتور كاريل بحق، يكمن في رفضها ابتداء أن يكون للدين - بوصفه منهجًا للحياة من عند الله - هذه الاختصاصات وهذا السلطان. أى رفضها لألوهية الله سبحانه. هذا الرفض التمثل في اتخاذ مناهج للحياة غير منهجه، ولو لم تعلن رفضها لألوهية الله جهرًا - كالبلاد الشوعية - فاتخاذ مناهج من صنع البشر هو رفض لألوهية الله قطعًا0

وهذا الرفض سابق على قيام هذه الحضارة. وله أسبابه الخاصة في التاريخ الأوروبى من ناحية، وفى تاريخ النصرانية في أوروبا من ناحية أخرى، وله ما يفسر كذلك ( ) . وبسبب هذا الرفض القديم - منذ أيام النهضة - وارتداد أوروبا إلى الوثنية الرومانية. قامت الحضارة الحديثة على قاعدة لا دينية.. ومن هذه الثغرة جاءتها كل الآفات، وجنايتها الحقيقية على (( الإنسان ) )تنبع كلها من هذا المصدر الخبيث. وإهدارها للقيم الإنسانية، وخصائص النوعية والفردية، مرده كله إلى هذا المنبث النكد 0

وفى هذا (( التشخيص ) )نختلف كل الاختلاف مع دكتور كاريل لختلف في أننا نبدأ من الجذور العميقة، بينما يبدأ هون من أحد الفروع (تخلف علوم الإنسان عن علوم المادة ) ) وفى أننا ندرك حدود النشاط الدينى في تكبتها هذه الحضارة في مداها الواسع الشامل لكل جانب من حيث الحياة الإنسانية0

ومن ثم نختلف في وصف العلاج .. على ذات المستوى 0

ولكن هذا ليس مكانه هذا الفصل فسنعالجه في الفصل قبل الأخير عند اقتراح (( طريق الخلاص ) )0

وحسبنا هنا أن نشير إلى أصل الفساد في منابت شجرة الحضارة ، إلى جانب الظواهر المتنوعة التى عرضها دكتور كاريل في إدراك سياسة وإخلاص أكيد في كتابه القيم. بوصفه أحد العلماء الكبار، الذين على العلم وحده في الملاحظة والتشخيص والعلاج

لم يكن بد، وقد شرد الإنسان عن ربه ومنهجه وهداه.. وعبد الإنسان نفسه واتخذ إلهه هواه. وجهل الإنسان نفسه كذلك وراح يخبط في التيه بلا دليل. وأقام منهج حياته على قواعد من هذا الجهل ومن ذلك الهوى. واعتدى على فطرته التى فطره الله عليها في حموة لشرود من ربه وفطرته ومنهجه0

ولم يكن بد وقد رفض الإنسان تكريم ربه له، فاعتبر نفسه حيوانًا - وقد أراده الله إنسانًا - وجعل نفسه آلة - وقد أراده الله مهندسًا للآلة. بل جعل الآلهة إلهًا يحكم فيه بما يريد. وجعل المادة إلهًا يحكم فيه بما يريد. وجعل الاقتصاد إلهًا يحكم فيه بما يريد - وقد أراد له ربه أن يكون سيد المادة، وسيد الاقتصاد. ولكنه رفض هذا التكريم كله لينجو فقط من الكنيسة، ويشرد من إله الكنيسة!

لم يكن بد وقد جعل الإنسان من المرأة حيوانأً لطيفًا - كما أن الرجل حيوان خشن - غاية الالتقاء بينهما اللذة، وغاية الاتصال بينهما المتاع. ونسى أن الله يرفع هذه العلاقة ويطهرها ويزكيها، وينوط بها امتداد الحياة من جهة، وترقية الحياة من جهة أخرى، ويربط بها عجلة التمدن الإنسانى، ويجعل من الأسرة محضن المستقبل، ويجعل من المرأة حارسة الإنتاج النفيس.. نتاج المادة الإنسانية.. ويصونها من التبذل كى لا تكون مجرد أداة لذة. ويصونها من الاشتغال بإنتاج المواد في المصنع، وهى في الأسرة تنتج وتحرس مادة (( الإنسان ) )0

لم يكن بد وقد عطل الإنسان خصائصه (( الإنسانية ) )ليحصر طاقته في الإنتاج المادى، وأقام حياته كلها على أساس مادى، وتصور مادى، وكبت الجوانب الحية المرفرفة اللطيفة في حسه، والتى وهبها الله له لأنه (( الإنسان ) )الخليقة الفذة في هذا الكون، التى تشمل المتناقضات كلها في تناسق بديع0

لم يكن بد وقد أقام الإنسان نظامه على الربا - ليكد القطيع البشرى كله في خدمة بضعة آلاف من مؤسسى البيوت المالية وبنوك المرابين، تعود إليهم حصيلة كد البشرية في أقاصى الأرض، وهم قابعون وراء المكاتب الفخمة، والنظريات الاقتصادية، وجميع أجهزة التوجيه والإعلام !

وفى النهاية .. لم يكن بد وقد اتخذ الإنسان له آلهة من دون الله، فاتخذ من المال إلهًا، ومن الهوى إلهًا، ومن المادة إلهًا، ومن الإنتاج إلهًا، ومن الأرض إلهًا، ومن الجنس إلهًا، ومن المشرعين له آلهة يغتصبون اختصاص الله في التشريع لعباده، فيغتصبون بذلك حق الألوهية على عباد الله.. كل هذه الآلهة اتخذها وعبدها، ليهرب من الله ويستنكف عن عبادته !!!

لم يكن بد وقد فعل الإنسان هذا كله بنفسه أن تحل به عقوبة الفطرة يؤدى ضريبة المخالفة عن ندائها العميق.. وأن يؤديها فادحة قاصمة مدمرة 00

وقد كان 00

كان .. وأداها من نفسه وأعصابه. ومن بدنه وعافيته.. ومن سعادته وطمأنينته . ومن مواهبه وخصائصه . ومن دنياه وآخرته 0

أداها - وفى الأمم التى بلغت ذروة الحضارة المادية بالذات - تناقصًا في النسل يهدد بالانقراض . وتناقصًا في الخصائص الإنسانية يوحى بالنكسة إلى البربرية. وتناقصًا في الذكاء والمستوى العقلى يهدد بانهيار العلم الذى قامت عليه الحضارة، وبانهيار الحضارة ذاتها في النهاية0

وظهرت آثار الكبت للطاقات الأخرى التى لا تحتاج إليها الصناعة بطرائقها الحاضرة، وآثار القلق على المستقبل في المجتمع المادى المتناحر، وآثار الخواء الروحى الذى تفرضه الفلسفات والأوضاع في المدينة الكافرة.. ظهرت آثارها في صورة الأمراض العصبية والعقلية والنفسية والعته والجنون والشذوذ والانحراف والجريمة0

وظهرت آثار التوجيه المتواصل إلى حيوانية الإنسان وماديته وسلبيته، وإطلاق شهواته وغرائزه من كل ضابط.. ظهرت في صورة الانحلال، واللامبالاة، والسلبية، وقبول الديكتاتوريات، وحياة القطيع، التى لا هدف لها إلا السفاد واللقاح والطعام والشراب0

وكتب على البشرية كلها أن تؤدى الضريبة فادحة صارمة ثقيلة: حروبًا رعيبة ضحاياها بالملايين قتلى وجرحى ومشوهين ومعتوهين ومعذبين. وأزمات تلو أزمات.. وأزمات إذا قل الإنتاج. أزمات إذا مال الميزان التجارى إلى العجز وأزمات إذا مال الميزان التجارى إلى الزيادة. أزمات إذا نقصت المحصولات وأزمات إذا فاضت المحصولات. أزمات إذا قل انسل وأزمات إذا زاد النسل. وتخبط من هنا وتخبط من هناك. وقلق وحيرة واضطراب وعدم استقرار. وضغط على أعصاب الناس لا تطيقه بنيتهم، فيخرون أمواتًا بالسكتة وتفجر المخ، أو يخرون أشلاء أو مجانين، كما لو كانت قد سلطت عليهم قوى المردة الأسطورية من حيث لا يحتسبون.. وما سلطت عليهم سوى أنفسهم. وما كان إلا نذير الله الذى لم تتفتح له القلوب والآذان. (( ومن يبدل نعمة الله من بعد ماجاءته فإن الله شديد العقاب ) )000 (( البقرة: 211 ) )

(( ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ) ).. (البقرة: 108)

(( واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أنتتركه يلهث ) )000 (الأعراف: 175 - 176)

(( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس. ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا - وأحل الله البيع وحرم الربا - فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا ويربى الصدقات. والله لا يحب كل كفار أثيم ) )000 (البقر: 275 - 276)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت