وكذلك نشرت مقالًا شاركت به السفارة الأمريكية في تقرير معاداة السامية يناير 2005م وذلك في صحيفة كريستيليج داجبلاد (K صلى الله عليه وسلم istelig Dagblad) اليومية الوطنية، وهي الصحيفة الدينية الوحيدة بالدنمارك، أكدت فيه على حاجة الحكومات إلى اتخاذ خطوات صلبة لمعالجة قضية الانتهاكات المعادية للسامية المتزايدة في أوروبا وروسيا على حد وصف التقرير.
المفارقات في تطبيق قوانيين الحريات:
الشاهد مما سبق بيان المفارقة بين المكاييل التي تكيل بها بعض الدول التي تزعم رعاية الحرية وابتعاث الله لها لأجل صيانتها، فبينما تدرج دولًا كالسودان ضمن القائمة السوداء مع أنه لم ينص دستورها على ما نص عليه دستور الدنمارك في شأن الحاكم، ولا أُثبتت فيها حالات اضطهاد لأجل الدين لنصارى أو وثنيين، ولا يعرف نص في مواد أحكامها يأذن بدعم المسلمين على حساب غيرهم26، تشيد هنا بالتزام الدنمارك بالحريات الدينية وفي غير موضع، وبينما ينص على أن حكومة السودان تضيق باب بناء الكنائس وإحداثها، لايشار إلى تضييق الدنماركيين على أصحاب ثاني أكبر دينانة عندهم في بناء المساجد وإحداثها!
وبينما توضع المملكة العربية السعودية ضمن قائمة الدول التي لا تحترم الحريات الدينية تغفل الدنمارك، مع أن الأخيرة يهزأ فيها بنبي ودين جهارًا، والأولى لو تجرأ فيها مسلم فسخر من المسيح -عليه السلام- لتعرض لأشد العقاب. فما لهم كيف يحكمون!
ومن جهة أخرى يتعرض التقرير لقضية معاداة السامية على الرغم من جهود الدنمارك في هذا الصدد، وعلى الرغم من محاسبة الدولة لبعض المدانين في نحو هذه القضية، وعلى الرغم من أن اليهود شرذمة لا يتعدى تعدادها السبعة آلاف نسمة في الدنمارك، بينما يعرض عن الإساءات التي يتعرض لها الإسلام ثاني أكبر دين بالبلاد وكذلك المسلمون عبر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة!
بل يُعَرِّضُ التقرير في معرض ذكر معادة السامية بالمسلمين المثيرين.
وبينما يحظر على البعض البحث ولو في مسألة تاريخية كشأن المحرقة اليهودية سدًا لذريعة معاداة السامية! يباح لآخرين الطعن في دين المسلمين ونبيهم _صلى الله عليه وسلم_ جهارًا نهارًا على الملأ.
وبعد ذلك يرون بوقاحة قول المسيح -عليه السلام-:"أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بِمِثْلِهِ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ، فَأَدِرْ لَهُ الْخَدَّ الآخَرَ"27.
وقوله:"أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَبَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَأَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَضْطَهِدُونَكُمْ"28.
أهم حقًا أتباع عيسى _صلى الله عليه وسلم_، أم الذين قال فيهم القطامي:
تراهم يظلمون من استركوا ويجتنبون من صدق المصاعا29!
ويحق لنا أن نتساءل وإن كان الجواب واضحًا:
أبعض الظالمين وإن تعدى شهي الظلم مغفور الذنوب؟
وأقبح من نحو هذا الذي يتبجحون به، محاولة بعضهم إناطة أسباب بعض مظاهر الغلو في الدين بدعوات خرجت أكابر الدعاة والهداة، ويغفلون أفعالهم هذه وهم يعلمون أن كل فعل له ردة فعل معاكسة في بعض النفوس!
والخلاصة:
هي أن مفهوم حرية التعبير في ما يتعلق بجناب الأنبياء واحترامهم قانون دولي مقرر على وجه العموم، بل إن التعريض ببعض معتقدات الأديان وما يعظمون مما لايرقى إلى درجة الأنبياء حرمته مقررة في قوانينهم الدولية، ولهذا تجد أن المحرقة المزعومة لايجرؤ كثير منهم على الكلام فيها باسم الحرية، ومن تكلم حوسب. أما الكلام في الإسلام ونبيه _صلى الله عليه وسلم_ فلا يعتبرون فيه المواثيق الدولية بحجة الحرية.
وهذا التناقض ليس منشؤه غموض في القانون أو لبس في حدود مفهوم الحرية، وأما اللغط الذي يدور حول هذا المفهوم فما هو إلاّ صخب يستر به كثيرون ما تكن صدورهم من عدم اعتبار لدين الإسلام ولانبيه.
وإلاّ فإن جماهير أمم الأرض لهم معتقداتهم ولهم مقدساتهم التي يرفضون أن تمس أو تنال بسوء، فإذا سألت أمم الأرض عن رأيهم في عد السخرية والاستهزاء أو التنقص والشتم لمعتقداتهم ومقدساتهم حرية مأذونا بها لقالوا: لا. بل ذلك سوء أدب وتعد على الآخرين.
ولكن يقع الإشكال في التطبيق، فإذا طعن مسلم في تثليث النصارى أو سخر بدعوى صلب المسيح، أو سفه معتقد اليهود في التلمود، فلن يعد المسلمون ذلك من منطلق الرؤية الإسلامية سخرية ولاتنقصًا ولا سبًا لمقدس له حق القداسة بل إهانة لشيء من حقه أن يهان، أما هل تقتضي المصلحة إظهار ذلك أو ينهى عنه من باب قول الله _تعالى_:"وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [الأنعام:108] . فهذه هو الذي يدخله تفصيل وقد يقع فيه الاختلاف بينهم.
فكذلك النصارى-وهم سواد الغرب الأعظم- واليهود لا يرضون أن تمس مقدساتهم باسم الحرية، أو يسخر من بعض مهماتهم الدينية فضلًا عن أنبيائهم باسم الحرية، ولكن كثيرًا منهم لايعتقدون أن الإسلام دين حق، وأن نبينا _صلى الله عليه وسلم_ رسول كريم.
ولكن لما كانت مجتمعاتهم خليطًا من الأديان والفرق النصرانية المتنوعة اقتضت المصلحة أن يعقدوا المواثيق الدولية الناصة على احترام الأديان.
فإذا تعارضت تلك المواثيق والقوانين مع القيم التي قامت عليها المجتمعات الغربية كالحرية وقع الانفصام في ردة الفعل تجاه الحوادث بحسبها، فإن كانت تمس ما من أجله أنشأت تلك القوانيين لم يكن للحرية أن تتجازوها إذ قيام المجتمعات واستقراراها لا يكون إلاّ باحترامها، لم يكن ليد الحرية أن تمتد لتهشم أنف المجتمع.
وإذا كانت الحادثة لا تدخل في ما من أجله أنشأت تلك القوانين وإنما دخلت تبعًا، وليس ذلك المقدس المهان مما يهدد استقرار المجتمع الغربي فعندها يكون لحرية التعبير مجال واسع، فقيم المجتمع مقدمة على المقدسات الوافدة التي ليست من مقدسات المجتمع في شيء بل ربما كانت من ما يناصبه العداء.
وحتى يفعل القانون الموجود ليحمي حقوق المسلمين فلا سبيل إلى ذلك إلاّ بأن يثبت أهل الإسلام أنفسهم، ويظهر أثرهم.
وهذا ما ينبغي أن يسعى أهل الإسلام في تحقيقه بحكمة يعقل أصحابها ما هو الذي في طاقتهم، وإلى أي درجة يؤثر في تحقيق مطلوبهم، وإلى أي درجة ينبغي أن ترتفع قدرتهم ليحصل تمام مطلوبهم، وكيف لهم أن يرفعوها.
ثم يكون التعامل مع معطيات الواقع وتدار بحيث يسلك كل سبيل شرعي يقلل على الأقل من حجم الإساءة للإسلام ولنبيه _صلى الله عليه وسلم_ في الغرب، إلى أن يعز الله دينه، ويظهر عباده الصالحين، وحين يقطع دابر المستهزئين المتنقصين للمرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
اللغة العربية التحديات والمواجهة
للأستاذ/ سالم مبارك الفلق
بسم الله الرحمن الرحيم
اللغة العربية: التحديات والمواجهة
الحمد لله الذي رفع هذه اللغة و أعلى شأنها , حيث أنزل بها خير كتبه و أفضلها , والصلاة و السلام على أفصل الأنبياء و خاتم المرسلين , نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد:ــ