-هذا كل شيء... ودّعت زوجتي أخي بعد أن سلّمها رسالة لي يذكِّرني فيها بذكرى مولدك... لذا أنا هنا... لقد كان لأخي فضلًا كبيرًا في توبتي... حتى وهو في السجن... وعندما عادت زوجتي... تركت عملها وقضت وقتها كله تصلي وتقرأ القرآن بالإنجليزية... تشارك في أعمال خيرية... حتى أنها دخلت إلى معهد لتتعلم اللغة العربية... وذات يوم نادتني وأخبرتني عن رغبتها في تغيير اسم ابننا الوحيد... أتعلمون أي اسم اخترنا له؟
-أنا أعلم... قالت الأم وقد تحشرج صوتها: سميتموه أحمد.
-لا يا أمي... سميناه رمضان، حسب رغبة أخي أحمد... ومنذ ذلك الوقت... قمتُ بتصفية كل أعمالي... بِعتُ ممتلكاتي... وقررت العودة إليكم... وفي هذا اليوم بالذات.
تركتَ زوجتَك وابنَك لوحدهما هناك؟!...
-لا يا أمي... لقد قَدِما معي... زوجتي شجعتني على العودة... وقالت لي أن مكانك الآن وسط عائلتك... والدك بحاجة إليك...
-أين هما الآن؟
-هما الآن في السيارة... إذا أَذِنتما لي سأطلب منهما الصعود...
-وهل يحتاج هذا لسؤال؟!... فليصعدا... فليصعدا... تركتَهما يحترقان بأشعة الشمس... سامحك الله.
-تفضلا بالدخول... تفضلا...
-السلام عليكم يا جدي... أتَعلم أنَّ اسمي على اسمك؟... أنا أحبك يا جدي... أحبك كثيرًا، سأبقى معك ولن أتركك أبدًا...
-ليس المهم أن تحملَ اسمي، أريد منكَ يا بُنَيّ أن تحمل مبادئي وتثبت عليها مهما تقلَّبت بكَ الأحوال ودارت عليكَ الأيام.
الحدود والسلطان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ) [آل عمران: 102] .
قال تعالى: (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءًا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا ) ) [النساء: 1] .
قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا ) ) [الأحزاب: 7(ـ 71] .
أما بعد: [هذه خطبة الحاجة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه، وكانوا يفتتحون بها كلامهم، وقد أفردها شيخنا الألباني برسالة مستقلة سماها باسمها خرّج أحاديثها وذكر طرقها والحكم عليها] .
فإن الله عز وجل قد تفضل على عباده، فأنزل لهم من عنده منهجًا لحياتهم، وهو كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكم حميد، كما بعث إليهم رسولًا من أنفسهم يعلمهم كتابه، وسنة نبيه، ويزكيهم بهما، ليسعدوا في حياتهم الدنيا بالعيشة الطيبة وفي آخرتهم بالرضا والأجر والمثوبة، وتعبدهم سبحانه وتعالى بإقامة خليفة بعد نبيه ينفذ شريعته، وألزمهم بطاعته في غير معصيته.
ولقد بلَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمره به ربه، فلم ينتقل إلى جواره إلا بعد أن علَّم وزكَّى، وحث على نصب خليفة بعده، وأمر بما أمر الله به من طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر من بعده.
فامتثل أصحابه رضوان الله عليهم، أمر الله وأمر رسوله، فلم يدفنوا نبيهم حتى بايعوا خليفة يسمعون له ويطيعون.
وقام الخلفاء الراشدون بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم بأمر الله ورسوله، وبينوا للناس أن لا طاعة لأحد منهم في غير طاعة الله ورسوله، فتعاون الخلفاء ورعاياهم على البر والتقوى، وقوَّم الخلفاءُ مَن اعوجَّ عن طاعة الله بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بقوة السلطان الذي قد يزع الله به ما لا يزع بالقرآن.
وكان خليفة المسلمين هو إمامَ الصلاة، وأميرَ الجيش، وقاضيَ الحكم، ومفتيَ الجاهل، وإن كان له في رعيته أعوان.
ولم تدم الحال على ذلك، بل أتى على المسلمين حين من الدهر، تولى فيه شؤون دنياهم وشيئًا من دينهم الأمراء، وتولى فيه تعليمهم والصلاة بهم وإفتاءهم، والقضاء بينهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، علماء الإسلام، وكان التعاون بين هؤلاء وبين الأمراء هو السائد، العلماء يفتون وينصحون والأمراء ينفذون.
ثم أخذت الهوة تتسع، بين العلماء والأمراء شيئًا فشيئًا، حتى أصبح بعض الأمراء ينفذون ما لا يرضى به العلماء، لبعده عن دين الله، ولكن الأمراء لم يكونوا يجرءون على إقصاء حكم الله إقصاءًا كاملًا، وإن خالفوه في سلوكهم وبعض تصرفاتهم، وبقي المسلمون على ذلك يقترب أمراؤهم إلى علمائهم تارة ويبتعدون أخرى.
ولكن قاصمة الظهر كانت عند انفراط عقد المسلمين بسقوط آخر رمز للخلافة الإسلامية، الذي تفرقت بعده الشعوب الإسلامية وسيطر عليها أعداء الإسلام عسكريًا وسياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وإعلاميًا، فكان من جراء ذلك أن ربَّوا على أيديهم جيلًا من أبناء المسلمين يكفر بالإسلام أو ببعضه، ويقدس قوانين الغرب وأنظمته، ويعادي علماء الإسلام ودعاته، وتسلم هؤلاء دفةَ حكم شعوبهم بالقوة وليس بالاختيار، ونقلوا مناهج أساتذتهم من الكفار في كل مناحي الحياة، ونشَّأوا عليها أبناء شعوبهم، الذين شوهت معاني الإسلام في أدمغتهم، وقُدِّست مبادئ الحضارة الغربية المادية في نفوسهم، وغُرِس في قلوبهم التحررُ من قيود الدين والعادات التي توارثها آباؤهم قبلهم.
وقل العلماء العاملون الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، إما لانغماس كثير منهم مباهج الدنيا وملذاتها، والركون إلى ما فيها من مال وجاه ومنصب، وإما بِحَوْل من تولى أمور المسلمين بين العلماء وشباب الأمة.
فاصطرع دعاة الحق وأعداء الدين، فزج هؤلاء بأولئك في السجون وآذوهم وقتلوهم، ومن سلم من ذلك حيل بينه وبين قول كلمة الحق.
وبعد أن مضت فترة على الأمة الإسلامية جربوا فيها مذاهب الكفار ومناهجهم فلم يحصدوا منها إلا الذل والمهانة واستعباد أهل الكفر لهم، واحتلال أوطانهم ونهب خيراتهم، وصاح بهم قليل من دعاة الحق، منذرين إياهم من الأخطار المتلاحقة، مقدمين أنفسهم شهداء في ذات ربهم، يسجن الطغاة من يسجنون منهم، ويعذبون من يعذبون، ويقتلون من يقتلون، فصحا كثير من شباب الأمة من سباتهم، وأفاقوا من غفوتهم، وأخذوا ييممون وجوههم شطر دعاة الحق ليتفقهوا في الدين، وأغلب هؤلاء الشباب من الجامعات المسماة بالمدنية التي لم يكن للدين الإسلامي والتفقه فيه مكان، فوجدوا أمامهم ثلاثة أصناف من العلماء:
الصنف الأول: مَن هم على دراية بأحكام الشريعة الإسلامية، ولكن كثيرًا منهم لم يجرؤ على الاتصال بهذا الشباب ليعلمه ويفقهه في الدين مما علمه الله، خوفًا من طغاة الحكم الذين لا يرضيهم أن يروا عالمًا يجتمع حوله الناس، بل يأخذون في مضايقته واتهامه بالتحريض ضد النظام، ثم إيذائه وفتنته وفتنة كل من يتصل به.
الصنف الثاني: مَن أضلهم الله على علم، فأخذوا يهزون رؤوسهم لكل حاكم بالحق وبالباطل، ويصدرون فتاوى تؤيد كل تصرف يصدر من طغاة الحكم، وكثير منهم تولى مناصب تسمى بالدينية، وهم أدوات لتشويه الدين فيها، فلم يطق هذا الشباب أن يتتلمذ على أمثال هؤلاء، لأنهم عنده ممن الذين يكتمون الحق، وينطقون بالباطل وهم يعلمون.