فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 2255

عندما عاد الحاجّ رمضان إلى وَحدته في الغرفة... بدأ يستعيد ذكرياته الماضية... فيتذكر كيف كانت عائلته منذ سنين غابرة... يذكر كيف كانت أجواء التعاون والمحبة هي السائدة دومًا... كان أولاده، ذكورًا وإناثًا، متماسكين كالبُنيان المرصوص... وكان بالنسبة لهم حِصنٌ حصين يلجأون إليه كلما ألمّ بهم أمر... وكان في المقابل لا يترك فرصة إلا ويستغلها حتى يِعِظهم ويُرشدهم إلى ما فيه صَلاحهم في الدنيا والآخرة... هو يتذكر تمامًا أنهم كانوا لا يخرجون من عنده إلا وقد جدّدوا إيمانهم بالله - عز وجل -... وعادوا إلى أعمالهم اليومية، محمَّلين بالذخيرة التي تُعينهم عامًا كاملًا... أمااليوم فقد تبدّل حالُهم، وما عادوا يعرفون من إسلامهم إلا الاسم... وبعض المبادئ.

-حاجّ رمضان... حاجّ رمضان... قم استيقظ... انظر مَن هنا... لن تصدق...

دعكِ عني، فإن حيلتك لن تنفع معي... دعيني، فإنني لا أبالي بشخصية الزائر... قلتُ لكِ لا أريد أن أرى أحدًا...

-حتى ولو كان ولدكَ ربيع؟!

-ربيع ابني؟! اذهبي عني يا امرأة... لقد مضى على هجرته خمسة عشر عامًا... لا تعبثي بمشاعري.

-ومنذ متى أَعبَث بمشاعركَ يا حاجّ... أنا أقول الحقيقة، التفِتْ وراءك...

-التفت الحاجّ رمضان، ليرى شابًا طويل القامة... كثيف اللحية، يرتدي ثوبًا أبيض اللون... وجده واقفًا فوق سريره وقد علت وجهه ابتسامة عريضة.

-ابتعد عني... أنا لا أعرفك... الآن تذكرتَ أن لك أُم وأب؟!... ارحل من هنا... عُدْ من حيث أتيت.

-أنا لم أنسَك يومًا يا أبي... سامحني... سامحني... وانكبَّ ربيع على يدي والده يقبِّلهما ويطلب منه السماح...

-انهض يا بُني... انهض... فأنا لا أعرف إلا التسامح والمحبة... انهض وساعدني كي أنزل عن السرير.

-الآن تريد أن تخرج؟... قالت أم أحمد وصوتها يختنق داخل حنجُرَتِها...

-إيه يا أبي، لا زلتَ تجلس على الكنبة نفسها.

-طبعًا يا بني... أنت تعلم أنني لا أغيِّر قناعاتي... وما دمتُ مرتاحًا فيما أفعل فلن أبدِّلها ولن أسمح لأحد أن يبدِّلها لي...

-أبي لا تنظر إليّ هذه النظرة... يكفيني ما أنا فيه.

-ما أنت فيه... أنت السبب في إيجاده... ولكن دعني أرى... مَن ينظر إليك يشكّ في أنك ربيع نفسه الذي سافر ولم يعد...

-معك حق في كل ما تقوله... وأنا كنت أنتظر أن يكون لقاءنا أقسى من ذلك... ولكن يقيني أنك تحبني كما تحب سائر أبنائك... هو الذي شجعني على المغامرة والمجيء إليك.

-هات أخبرني.. كيف تمَّ هذا التحوُّل؟

-عندما هاجرت من هنا... كنتَ تعلم كيف كان تفكيري... كان كل همّي الهرب... كنت أريد أن أطوي صفحة اعتقدتها خطأ صفحة ذلّ ومهانة... أنت تعلم كيف كنت ضد الطريق الذي سلكه أخي أحمد... وكنت دومًا أحذِّره من عواقب السير في هذا الطريق الشائك... واعتقدت كما يعتقد الكثيرون أنه بسبب انضمامه للمقاومة جلب لنا العار والذل، بل ولطّخ سمعة المسلمين كلّهم... لذلك قمت منذ وصولي إلى تلك البلاد بتبديل اسمي واخترت اسمًا أجنبيًا...

عشتُ في الفترة الأولى منبهرًا بتلك الحضارة الغربية التي تحترم الإنسان وتؤمِّن له كل سبُل الراحة والاطمئنان... كنتُ أعمل ليل نهار من أجل أن أُثبت لك أنني أفضل من غيري... أفضل من أخي أحمد...

بعد مُضي عشر سنوات فكرتُ بالزواج والاستقرار... بحثت عن زوجة بين معارفي... كنت أريدها مميزة... كي أُشعرك بأنني وإن هاجرتُ إلى بلاد الكفر إلا أنني أستطيع أن أكون ملتزمًا دون أن أضطر إلى اختيار الطريق الآخر لأثبت لك ذلك... بحثت طويلًا ولكنني لم أعثر على زوجة مسلمة... لقد بلغ بي اليأس حدًّا جعلني أتناسى ذلك العهد الذي كنتُ قد قطعته على نفسي... كان الوقت يُداهمني وكان من الضروري أن أتزوج، وإلا أُطرَد خارج البلاد... وطال بحثي إلى أن تزوجتُ بامرأة من هناك...

تزوجتَ امرأة غير مسلمة؟!... سامحك الله يا بُنَي... قالتها الأم وهي تضرب كفًا بكَف...

-صبرًا يا أمي... دعيني أُنهي كلامي...

-عندما دخلتْ زوجتي إلى البيت... كان أفضل ركن لديها هو ركن المكتبة، حيث كانت ملأى بالكتب الدينية المترجَمة... كنتُ حريصًا على شراء هذه الكتب وإن كنتُ لا أقرؤها... إلا أنني كنت أريد أن أثبت لك بأنني لا أضيع وقتي... وأنني هنا في المهجر أدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة...

هكذا تدرك أنك لم تغب يومًا عن بالي...

-أكمِل يا بُني... أكمل... قالتها الأم بشوق... بينما بقي الحاج رمضان ينظر إليه بصمت.

-استمرت زوجتي في الإطلاع على تلك الكتب... وكانت في الوقت ذاته تسألني عنكم وعن سائر أفراد العائلة... أخبرتها أدقّ التفاصيل عنكم... كنت أسعدُ وأنا أتكلم لأن ذلك كان يُنعش ذاكرتي التي ملأها الصدأ... أخبرتها عن كل الأشخاص ما عدا شخصًا واحدًا كتمتُ خبره عنها... إنه أخي أحمد... فلقد خِفتُ عليها في حال علمت بوجوده أن يتغير تصورها للإسلام الذي بدأ يتكوَّن عندها...

-سامحك الله يا بنَيّ... سامحك الله يا بنَيّ...

-أرجوك يا أبي اسمعني حتى أَنتهي مما لديّ... ذات يوم، وبينما كانت زوجتي تُعيد ترتيب الكتب على رفوف المكتبة، وقعت بين يديها صورة لأخي أحمد، والتي كنت قد خبّأتها في أحد الكتب حتى لا يراها أحد... استغربت وسألتني عن الشخص الموجود في الصورة... ولما ألحّت عليّ وعجزت عن التهرُّب من الجواب... أخبرتها كل شيء عنه وعن ظروف أَسْره... وأخبرتُها أيضًا أنني لم أكن راضيًا عن تصرفه، وأنَّ سفري إلى هذه البلاد جاء بعد سجنه مباشرة... ومنذ ذلك الوقت انقطعت صِلتي به وبعائلتي...

ماذا تظنون أن زوجتي فعلت؟

-لا ندري يا بنَيّ... هل طلبت الطلاق؟ قالتها الأم والدهشة بادية على وجهها...

-لا يا أمي... لقد جعلت زوجتي من أخي قضيتها هي... كان لديها كثير من المعارف السياسيين... ومن الصليب الأحمر... وحتى من بعض اليهود ذوي المكانة المرفوعة في البلد... كانت تقوم بالتحريات بشكل سرّي ودون أن تخبرني بشيء... حتى جاء ذلك يوم الذي أبلغتني فيه أنها مسافرة... لم أسألها عن سبب السفر لأن وظيفتها كانت تحتِّم عليها ذلك من وقت إلى آخر... المفاجأة الكبرى جاءت بعد أسبوعين من سفرها... حيث قامت زوجتي بزيارتي في مركز عملي... ويا لها من زيارة... ويا لها من مفاجأة... شعر ربيع بغصة شديدة... انقطع كلامه... وخبّأ وجهه بين يديه...

-ربيع... ما بك بُنَيّ؟... قومي يا امرأة أَحضري له كوبَ ماء.

-اجلسي يا أمي، أرجوكِ... لا أريد شيئًا... لقد رأيت زوجتي واقفة أمامي باللباس الشرعي الإسلامي... أتصدِّق يا أبي؟... أخبرتْني أنها ذهبت للقاء أخي في السجن، رأته صَلْبًا متماسكًا... سألها عني... وعندما علم بما حصل لي... أسِف شديد الأسف... كانت تزوره كلّ يوم تقريبًا... وكان عِوضًا أن يحدثها عن نفسه وعن معاناته... كان يحدِّثها عن الإسلام ويدعوها إليه... وبقي كذلك طوال خمسة عشر يومًا إلى أن أقنعها... ونطقت بالشهادتين أمامه، وعندما زارته مودِّعة كانت بلباسها الشرعي الإسلامي... سُرَّ سرورًا كبيرًا وكان من شدة سروره أن بكى فرَحًا وسجد شكرًا لله.

-غلبك أخوك يا بُني... غلبك... قالها الأب والسرور بادٍ على وجهه... هذا هو ابني الذي ربَّيته.

-لا تقاطعه... يا حاجّ... أكمل... أكمل...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت