وقد يحتال أعداء الإسلام من أنصار الباطل على الأمة الإسلامية التي يسوؤها صياغة عقول أبنائها بوسيلة التعليم صياغة تجعلهم عبيدا مطيعين للطغاة، قد يحتالون عليها بإيجاد مدارس يسمونها دينية يضعون لها مناهج يحصرون فيها الدين في مواد لا تتجاوز الشعائر التعبدية وبعض أحكام الأسرة، وسرد بعض الأحداث التاريخية، ويفتحون في تلك المدارس الباب لمن يرغب في دراسة الإسلام، ويُخْلون مناهج تلك المدارس من المواد التي يُسَيِّرون بها هم حياة الناس، كالإدارة والاقتصاد والشؤون السياسية والعسكرية والإعلامية والتربوية، ثم يعمدون إلى إنشاء مدارس ومعاهد وجامعات يسمونها بالمدنية، ويضعون لها مناهج مقطوعة الصلة بالإسلام، ويضعون لها مناهج تجمع بين العلوم الإنسانية التي وضعها البشر بمعزل عن منهج الله-وقد توافق بعض جزئياتها الإسلام وغالبها يخالفه-سواء منها ما يتعلق بعلم النفس أو علم الاجتماع، أو الشؤون السياسية، أو الاقتصادية، أو العسكرية، وكذلك العلوم التجريبية الكونية والطبية، وغيرها مما لا تستغني عنه الأمم، وينهل المتعلمون من تلك العلوم، وينالون بها المؤهلات التي تمكنهم من قيادة الشعوب الإسلامية بمناهج علمانية، لا تهمل الدين الإسلامي وتطبيقه فحسب، بل تحاربه وتحارب كل من يدعو إليه، وقد تحارب من يلتزم به، ولو لم يدع إليه خشية من أن يكون التزامه به يدعو الناس إلى الاقتداء به، لأن الإسلام هو الحق، وما هم عليه هو الباطل، وأهل الباطل يخشون من أن يسابقهم أهل الحق إلى عقول الناس، وإذا فتح المجال لأهل الحق ليسابقوا بحقهم إلى العقول، فإنهم يغلبون أهل الباطل ويسبقونهم بالحق إلى عقول الناس، وإن كانت إمكاناتهم أقل بكثير من إمكانات أهل الباطل، لما يحمله الحق من قوة الحجة والبرهان، وما يحمله الباطل من خرافات وأوهام.
أما الدارسون في المدارس الدينية المذكورة آنفا، فإنهم يُحرَمون من الوظائف والمناصب، لعدم وجود مؤهلات توازي المؤهلات التي يحملها طلاب المدارس المسماة بالمدنية، ولو وجد من يحمل تلك المؤهلات من الملتزمين بالإسلام، فإنه لا يفسح له مجال اعتلاء مناصب مثل مناصب العلمانيين، كل ذلك لإبعاد الملتزمين بالإسلام الذي هو الحق من أن يؤثروا به على عقول الناس.
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
بشرى بعد تدنيس المصحف الشريف
سلمان بن يحي المالكي
الخطبة الأولى
( الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ) ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) ( تلك آياتُ القرآن وكتابٍ مبين * هدى وبشرى للمؤمنين ) ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ) ( وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ) ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ) ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى ) ( كلا إنه تذكرة * فمن شاء ذكره ) ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ) ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ... ) عباد الله .. هذا هو القرآن وهذه هي أوصافه الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم وحيا أوحاه الله إليه ، بقي على مدى الأزمان ، وسيبقى إلى قرب قيام الساعة ، قرآن فيه الخير والبركة والهدى والنور ، قال عثمان رضي الله عنه: لو طهُرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله ، وما أحبُّ أن يأتي علي يومٌ ولا ليلةٌ إلا أنظرُ في كلام الله تعالى ، قرآن يتلوه المؤمن فيزداد فقها وتدبرا ويحصل له الخشوع والخشية ( إن الذين أتوا العلم من قبله إذا يُتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) قرآن تنزل الملائكة لسماعه وتتأثر به ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنِ حظير رضي الله عنه"اقرأ يا بن حظير ، تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبح ينظر الناسُ إليها لا تتوارى منهم"قرآن خلع أفئدة الكفار ، وألقى الهيبة في قلوبهم"لما أُخذ زبير بن مطعم رضي الله عنه أسيرا في بدر ربط في المسجد وكان مشركا من أكابر قريش وعلمائها في النسب فسمع قول الله تعالى"أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون"قال: كاد قلبي أن يطير ، وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلا بكاء لا يملك دمعه يحين يقرأ القرآن ، فابتنى مسجدا بفناء داره بمكة ، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن ، فيتقصَّف عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم يستمعون عند داره ، يعجبون وينظرون إليه ، فأفزع ذلك أشرافُ قريش من المشركين ، قرآن سمعته الجن والإنس فما ملكوا حينها إلا أن سجدوا هيبة له ( أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون * فاسجدوا لله واعبدوا ) قرآن تأثرت به الجن ( إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فأمنا به .. ) ( وإذْ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولو إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) قرآن يؤثر في معتنقي الأديان الأخرى في الذين هم أقرب مودة للذين أمنوا ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا أمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) هذا هو القرآن الذي يُكْرِم صاحبه يوم القيامة بتاج الوقار ، ويحلّى بالحلية العظيمة ( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتقي ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها ) ويشفع لصاحبه يوم القيامة ، وتأتي البقرة وآلُ عمران تحاجان كالغمامتان تضللان عن صاحبهما يوم الحر الأكبر .. عباد الله:"
هذا قرآن عربي مبين ، تكفل الله بحفظه ولم يوكل حفظه إلى أحد من خلقه من أحبار هذه الأمة وعلمائها ، كما فُعل بالذين من قبلنا ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وقد تولى الله تعالى حفظه ، فلم يستطع أحد من يوم مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآن وإلى قيام الساعة أن يحرفه أو يبدله أو يزيد فيه أو ينقص منه حرفا ، وكم هي المحاولات التي تبنت تحريف القرآن ، ولكن تصدى لها من هذه الأمة من قيضه الله لكشف الألاعيب والتحريف في اللفظ أو المعنى ، واستمرت المحاولات ولكن ..
كناطحِ صخرةٍ يوما ليوهنها فلم يَضِرها وأوهى قرنَه الوعِلُ
بل قد تحدى الله به البلغاء والفصحاء والناسَ جميعا في مراحل من كتابه فقال"فاتوا بعشر سور مثله مفتريات"فما استطاعوا ، ثم تحداهم فقال"فاتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"فما استطاعوا ، فنادى عليهم بالعجز إلى قيام الساعة قائلا"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا"عبا دالله ..