لقد نزل القرآن في وقت كانت العرب في أوج قوتها شعرا ونثرا وخطابة وفصاحة وبيانا ، وفي زمن المعَلقَات التي حفظوها وأتقنوها ومع ذلك خابوا وخسؤا أن يأتوا ولو بآية مثله ، وما استطاع فصحاءهم وكبراءهم أن يخفوا إعجابهم بالقرآن ، حتى قال الوليدُ بن المغيرة الكافرِ المشرك"والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ، وإنه يعلوا ولا يُعلى عليه"وهؤلاء الأعراب الأقْحاح الذين كانوا يأتون من الصحراء لم يملكوا أنفسهم من الإعجاب والرضوخ لفصاحة القرآن وبلاغته وقوته وبيانه ، فهذا أحدهم يسمع قول الله"فاصدع بما تؤمر"قال: فسجدت لفصاحته ، وسمع آخر قول الله"فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا"قال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام ، ومن تأمل علوَ أسلوبِ القرآن يرى أنه فاق حتى الأمثال العربية التي كان العرب يُعجبون بها وينبهرون من أسلوبها ، وقد كانت العرب تقول أمثالا لها مدلولاتها في حياتهم ، فقد كانت تقول: القتل أنفى للقتل ، أي أنه إذا قُتل القاتل ينفِي ذلك القتل ، فلما نزل قول الله"ولكم في القصاص حياة"نُسيَ ذلك المثل واندثر من حياتهم ، لأنه في البلاغة والإيجاز فوق تلك الأمثال ، ولقد أعجزهم هذا القرآن في الأمور الغيبة فإذا هي تقع كما أخبر ، وهذه الفرس لما اكتسحت الروم وهزمتها ، كانت قريش يومها تؤيد فارس لأنهم عباد أصنام ، وكان المسلمون في ذلك الزمن يميلون إلى الروم لأنهم أهل كتاب ، وكان في مكة عدد من الكتابين ، فكان المسلمون أقرب إلى هؤلاء الكتابيين من عباد الأصنام ، فنزل قول الله تعالى"ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض [ أي في قعر دارهم ] وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بعض سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون"فراهنت قريش أبا بكر رضي الله عنه لأنها استحالت أن يحدث ذلك ، لأنه لا يمكن في الموازين الأرضية والعسكرية أن تحدث هذه الهزيمة وأن تستعيد الروم قوتها ، فما مضت تسعُ سنين إلا والروم تكتسح فارس من جديد .. عباد الله:
شهد لبلاغةِ القرآن ومكانته وعلوه القاصي والداني ، ولما حاول بعضهم أن يقبل التحدي بزعمهم بأن يأتي بمثل هذا القرآن فبماذا أتوا ..؟ أتوا بخزعبلات وأباطيل وأضحوكات ما أنزل الله بها من سلطان ، وعلى رأسهم مسيلمة الكذاب فاسمع ماذا كان يقول"يا ضفدعُ ياضفدعين * نِقِّي ما تنُقين * نصفك في الماء ونصفُكِ في الطين"وكان يقول"الشاة وألوانها * وأعجبها السودُ وألبانها * والشاة السوداء واللبن الأبيض إنه لعجبٌ محْضٌ * وقد حُرِّمَ المذقُ فما لكم لا تمجعون"وعلى منوال سورة العاديات كان يقول"والمُبذرات زرعا * والحاصدات حصدا * والذاريات قمحا * والطاحنات طحنا * والعاجنات عجنا * والخابزات خبزا * والساردات سردا * واللاقمات لقما ..."إلى آخر كلامه الفارغ وقصصه للأطفال التي ألفها ، وتأتي إليه سجاح التي ادعت النبوة ثم تابت بعد ذلك ليقول لها قرآنا نزل عليه"إنكن معشر النساء خُلِقتُنَّ أفواجا * وجُعِلتُنَّ لنا أزواجا * نولجه فيكن إيلاجا .."إلى آخر الكلام الساقط وقلةِ الأدب التي تتنافى مع الحياء ثم يأتي ويقول"أرأيتِ إن كنت حبلى * وفي بطنك حية تسعى"حتى قام عاقلهم عُطارد بن الحاجب يقول:
أضْحت نبيتنا أنثى يُطاف بها وأصبحت أنبياءُ الناس ذُكرانا
فلعنةُ الله ربِ الناسِ كُلِهِمُ على سجاحَ ومن باللإفك أغوانا
أعني مسيلمةَ الكذابْ لا سُقيت أصداؤه من وُعيَثٍٍْ حيث ما كانت
فتابت سجاح ورجعت عن غيها ، ولم يبقى إلا مسيلمة حتى فضحه الله تعالى وقتله شرَّ قتلة ، وهكذا أعداء الله يحاولون التحريف ويحاولون لأنهم عرفوا مكمن قوةِ هذه الأمة ، فجروا الحملات لأجل القضاء على هذا الدين ، وكان قائلهم أثناء ذهابه إلى الحملات الصليبية يقول: أنا ذاهب لسحق الأمةِ الملعونة لأحاربَ الديانةَ الإسلامية ولأمحو القرآن بكل قوتي ، ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر بمناسبة مرور مائة عام على احتلالها: يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم ، حتى ننتصر عليهم ، ويقول المبشر وليم جيفورد: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب ، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيدًا عن محمد وكتابه ، ويقول المبشر تاكلي: يجب أن نستخدم القرآن ، وهو أمضى سلاح في الإسلام ، ضدَّ الإسلامِ نفسه ، حتى نقضي عليه تمامًا ، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا ، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا ، وهكذا .. وبالرغم من محاولات بعض المستشرقين بالطعن في القرآن ووصفه بأنه مُمل ومضطَرِب ومختلط ومعقّدٌ وحاولوا التحريف لفظا ومعنا ووزعوا المصاحف على الجامعات والكليات والمعاهد العلمية في أوروبا وأمريكا ولكن دون جدوى ، فقد ذهبت تلك المحاولات أدراج الرياح ، وحاولوا الطعن من خلال الترجمة وهم يفسرون قول الله"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي"فقالوا: هذا نبي العوام ، وامتد جهل الجهلة وعبث العابثين حتى فسر بعضهم"آلم" [ A L M ] واستمرت الجهالات تتوالى لتقول الصوفية في قوله تعالى"واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"أن اليقين مرحلة إذا وصل إليها الإنسان سقطت عنه التكاليف الشرعية ، وقالت الرافضة في قوله تعالى في معرض قصة بني إسرائيل"إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة"قالوا: هي عائشة ، فأين عائشة من بقرة موسى ، ويقوم القاديانيون بالتحريف لأنهم يعتقدون أن أحمد القاداني نبي ، ويريدون التخلص من محمد صلى الله عليه وسلم لأنه"خاتَم النبيين"ليقول قائلهم"ولكن رسولَ الله وخاتمُ النبيين"الخاتم المراد به الخاتم الذي يوضع في الأصبع ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد فسر هذا وقال"لا نبي بعدي"وهكذا يخرج علينا مسيلمات في هذا الزمن ليصدروا لنا قرآنا يحرفون فيه الحرف والكلمة ، فهذا يقول: ألم * ذال"وآخر يقول"إنا أرسلناك للعالمين مبشرا ونذيرا * تقضي بما يخطر بفكرك وتدبر الأمور تدبيرا"وآخر يقول"فمن عمل بما رأيت فلنفسه ومن لم يعمل فلسوف يلقى عذابا مريرا"عباد الله .."