فهرس الكتاب

الصفحة 2155 من 2255

وفي حرب الخليج الثانية قيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع أمريكا ، سيدة العالم الحر في مواجهة طغيان العراق ، ولم يكن هناك وقت للتفكير أو لم تكن هناك إرادة له ، فحشر المسلمون فيمن حشر تحت راية الصليب مرة أخرى ، في مواجهة صريحة من بعض المسلمين لبعض ، لحساب من يتربص بنا جميعا . وما إن زالت الغمة حتى غدر النصارى ـ كعادتهم ـ فبقي صدام الطاغية ، ودمر شعب العراق المسكين ، وسرقت اقتصاديات المنطقة ، وبقيت إسرائيل ، وفرض السلام .. ولا يزال الناس يتجرعون غصص هذه الحلف الخاسر ، وكأنهم لم يذلوا على أيدي النصارى إبان الحرب الكونية الأولى ، ولم تقسم بلادهم ، ولم تزرع دولة إسرائيل!

واليوم ـ وما أشبه الليلة بالبارحة ـ يحتشد العالم خلف أمريكا مرة ثانية في مواجهة شعب مسلم لا بواكي له ، ومرة أخرى تقدم الوعود الكاذبة للعرب بشأن قضية فلسطين ، وأن الدول العربية لن تستهدف في هذه الحملة ، ووعدت باكستان بتخفيف بعض الديون ، وأن يكون هناك حل ما لمشكلة كشمير، وتشابكت الأيدي هذه المرة بحرارة ، حتى دعا من دعا: اللهم انصر أهل الكتاب على المشركين !! وتقبل طوائف من الناس ببلاهة قذائف الصليب تهوي على المساجد ، وتحصد الأبرياء بحجة محاربة الإرهاب ! وتزمت حكومة طالبان .

وأخزى الله هؤلاء عن عجل فأمعنت إسرائيل بأهل فلسطين ذبحا وتنكيلا ، وأكد شيخ البيت الأبيض أن الحرب على الإرهاب ماضية بغض النظر عن مشكلة فلسطين ، وأن العراق والصومال ودولا أخرى هي أهداف محتملة . ولم يحترم مشاعر ملايين المسلمين وهم يرون إخوانهم يمطرون بقنابل الصليب بكرة وعشية في شهر رمضان . وصرح سفير واشنطن في نيودلهي بأن واشنطن والهند تواجهان ذات الإرهاب ، وأنهما سيقفان صفا واحدا في محاربته . وفشلت باكستان في الحصول على صفقة الطائرات التي كانت وعدت ببيعها لها منذ سنوات. وخسرت عمقها الاستراتيجي من جهة الشمال ، وكانت الأضعف بين جيرانها ، على حين كانت صاحبة الورقة الرابحة قبل ثلاثة أشهر فقط . وتلقى الكل من الإذلال مايكفي لإيقاظ الضمير ومراجعة الذات.

هذا كله والحرب لم تضع أوزارها بعد . والعجب أنه لا يزال من بين المسلمين من يجادل في أن هذه حرب ضد الإرهاب وليست ضد الإسلام ، بالرغم من أن أهل الصليب أنفسهم يثبتون ذلك ، وكأننا أمام مستوى مخز يذهب في الدفاع عن قيصر أكثر من قيصر نفسه .

وتردد في ذاكرة كل مسلم رأى هذا المشهد المريع والسقوط الإسلامي الرسمي الذريع قول ذلك الأعرابي:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … …

بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا

إذا لقام بنصري معشر خشن … …

عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

حتى لم يعد مستنكرا أن يقضي جورج وبول وأضرابهم في شؤون المسلمين ويفتي فيها ، ويحدد مواصفات المعتدل والمتطرف منهم ، ويسعى في الصلح والإصلاح ، والكل ساكت سادر ، كأن الأمر لا يعنيهم .

ويقضى الأمر حين تغيب تيم … …

ولا يستأمرون وهم شهود

ولا اعتراض ولا نقاش ، بحجة أن أمريكا غاضبة وأنه لا يقوم لغضبها شيء ، وأنها مكلومة ، ومراعاة خاطرها من شيم الكرام !

من يهن يسهل الهوان عليه … …

ما لجرح بميت إيلام

والذي لاشك فيه أننا أمام فتنة لا كالفتن ، ومأساة أنست بهولها كل ما تقدمها .. وقد ذكرت طرفا من مسلسل الانهيار نتيجة التلاعب بحقائق الشرع وطمس معالم الولاء والبراء ، وكيف أنه في أقل من قرن من الزمان تلقنا كل هذه الدروس المرة، ولم يعتبر بها معتبر . (وما ربك بظلام للعبيد) وما لم توقف الأمة مسلسل الهروب من دينها ، وتضع حدا لتولي أعدائها ، ومحاربة أولياء الله ، فإنه يوشك أن يقذف الله بها في أودية النسيان ، وأن يقيض لدينه قوما آخرين ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) وقديما قيل: .. والشقي من وعظ بنفسه . فاللهم لا شماتة

حِوار الحضارات في القرن الحادي والعشرين: رؤية إسلامية للحِوار

مركز الشمال لتنظيم المعرفة … … … … …5/12/1425

العنوان: حِوار الحضارات في القرن الحادي و العشرين (رؤية إسلامية للحِوار)

المؤلف: عبدا لله علي العليان

بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

الطبعة الأولى، 2004

يبحث الكتاب موضوع الحِوار بحد ذاته، وليس كما يوحي العنوان، وربما يكون هذا الموضوع (الحِوار) كما يراه المؤلف أهم مشكلة في عالمنا اليوم، وحسب المؤلف يقتضي الحِوار التجاوب بين طرفين يتبادلان الكلام: مخاطِب و مخاطَب، أو متحدّث و متلقٍ بغرض الوصول إلى رأي أو استنتاج واحد من هذا الكلام، يعتمد فيه على مقدمات و مبادئ مشتركة مسلم بها عند هذين الطرفين. و لا إمكان لمتابعة الحِوار إلا إذا كان أحدهما موافقًا للآخر، و تابعًا له في الاستنتاج نفسه، و متدرجًا معه فيه. وحين يتحوّل الموقف بينهما إلى ما فيه تقابُل أو تناقض، فإن التحاوُر ينقلب إلى جدل.

و الحِوار في بعض الأحيان ليس قاصرًا على الكلمات اللّسانية المسموعة التي ينطقها البشر بل يتجاوز إلى غير ذلك، وقد تعرض لها الكاتب في كتابه هذا؛ فقد يتجاوز إلى الإشارة الموضحة، البسمة المشرقة، الحس الخافق، العمل الصالح، و الموقف الصالح بل حتى الصمت.

أما الجدل فهو يعني المفاوضة على سبيل المنازعة و المغالبة، وعِلْم الجدل كما يراه بعض العلماء هو علم يقوم على مقابلة الأدلة لإظهار أرجح الأقوال الفقهية، وعرّفه بعض العلماء بأنه يقوم على حفظ أي وضع يُراد و لو باطلًا، وهدم أي وضع يُراد و لو حقًا، فهو قدرة أو ملكة يؤتها الشخص، ولو لم يُحِط بشيء من الكتاب و السنة أو نحوهما.

ومن خلال التعريف الوارد في الكتاب لكل من الحوار و الجدل نستشف أن الحوار أوسع دلالة من الجدل؛ فكل جدل حوار و ليس كل حوار جدلًا، وأن كثرة ترداد الجدل في القرآن كان أكثر من الحوار، و هذا ما يعكس الواقع الذي عايشته الأديان السماوية، و الدين الإسلامي على وجه الخصوص، و ما واجه الأنبياء عليهم السلام من تحديات، و هي تحدّيات فكرية واجتماعية وسياسية؛ إذ يتحول الحِوار إلى جدل في أحايين كثيرة من قبل الكفار و المشركين والمنافقين، بهدف الابتعاد عن الهدف الحقيقي الذي جاءت به الأديان السماوية إلى البشرية جمعاء في الهداية و الإيمان و التوحيد.

مشروعية الحِوار في الكتاب و السنة:

المنظور الإسلامي للحِوار ينطلق من المبادئ السامية التي تدعو إلى الكلمة سواء القائمة على العدل والإنصاف، أو القبول بالاختلاف، و التي هي في الأصل سنة كونية في القضايا المشتركة ومجالات التعاون الإنساني، والحِوار على هذا النحو الراقي، ومن أجل هذا الهدف السامي، ضرورة من الضرورات التي يقتضيها انتظام سير الحياة على خطوط سوية، تفرضها طبيعة العمران البشري، لذلك كان الإسلام السباق إلى الحِوار مع الآخر و الانفتاح عليه، و لم يكن هذا الحِوار طارئًا أو اضطراريًا أو براجماتيًا بل إن هذه المشروعية ثابتة بنصوص قرآنية و أحاديث نبوية، و سلوك نهجه الصحابة والتابعون والعلماء بعد ذلك، باعتباره أمرًا إلهيًا. فقد مارس المسلمون الحِوار على مستويات مختلفة مع شتى الحضارات والديانات تختلف في فكرها و فلسفتها مع الرسالة السماوية، لكن المشروعية الإسلامية ضمّت هذا الحِوار، واعتبرته فريضة و منهاجًا، و بالتي هي أحسن و أسهمت هذه الحِوارات و المجادلات في إيجاد مناخ إيجابي ملائم لاستعراض الأفكار و طرح القضايا الخلافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت