لا يحق لنا أن نتسرع كثيرًا و نعلق كل مساوئنا على أمريكا و لواحقها؛ لأن التاريخ يثبت لنا أننا لم نستطع طيلة هذه القرون الأخيرة أن نعي الوجه الفعلي لهذا الغرب و طرائق تفكيره و بالتالي، كيفية التعامل أو التفاعل معه، فتحدّث أكثرنا انبهارًا بما يُسمّى الحضارة الغربية عن ضرورة الاستفادة من جوانب الثورة التنويرية إلى درجة أنه تشكل لدينا تيار كامل يحمل هذا الاسم من دون أن يكون له أي نصيب من ذلك النور الذي تأسس التيار لأجله. لم يتوقف تأثرنا بهذا الغرب عند هذا الحد، لقد اكتفينا من هذا الاصطدام العنيف معه بالتركيز على المعايير الثقافية و الاستهلاكية بمعنى أن كل الذين حاولوا -أكثرهم- الإفادة منهم، ركزوا على القيم النظرية كالحرية و العدالة و المساواة دونما درس دقيق و فرز علمي مضبوط، فاعتقد أغلبنا أن هذه هي السمات الوحيدة التي تميز وجه هذا الشق من العالم، بمعنى أن ما ترسّخ لدينا كان قيمًا مثالية لا وجود لها على أرض الواقع؛ لأن الغرب ذاته، يملك وجهًا قبيحًا ها هو يجليه و يظهره في الأعوام الأخيرة بهذه الكيفية التي كنا نعتقد أنها لا محل لها في قواميس حقوق الإنسان و مفاهيم المواطنة و العدالة. لقد اكتشفنا أن تلك القيم لم تكن في الواقع غير يافطات يجري شهرها و تكييفها حسب متطلبات الأهداف الإستراتيجية، و أضحت ظاهرة المعايير المزدوجة و سياسة الكيل بمكيالين، ثابتًا لا يجادل فيه غير متملق حريص على مواصلة السير في قاطرة الاستعمار في طبعته الجديدة و لذلك فلا فرق عند أمريكا مثلًا بين إرهاب الدولة و قتل المدنيين من الأطفال و النساء بدعوى محاربة 'الإرهاب'، ثم لا تتحرك أي شعرة في قلب صُنّاع السياسة هناك، و بين الادعاء بالحرص على تعزيز القيم الإنسانية و الحرية.
أليس من الغريب مثلًا أن يعلن رئيس الوزراء الصهيوني أسفه عن مقتل المدنيين في لبنان، ثم يلحقه الرئيس بوش بعد ذلك مسوغًا الأمر بما أن 'لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها'؟ ثم أليس من الغريب أيضًا أن يعلن قادة الكيان أنفسهم أنهم أخفقوا في مواجهة المقاومة اللبنانية على الرغم من كل ما فعلوه، و لا يهدأ بال الكاوبوي بعد ذلك حتى يتبجح أمام الصحفيين، و يقول إن حزب الله 'انهزم أمام إسرائيل'؟ من القطعي أن الرجل لم يكن يهذي، و لكنه كان مازحًا ربما، بمعنى أنه أراد أن يقول العكس، و استعار بعض أساليب أهل الشعر و الأدب، فأشقاؤنا المصريون مثلا يلقبون الأعمى باسم 'أبو بصير' و الأصلع: 'شعراوي' و ما إلى ذلك من ألقاب تُستعمل على سبيل الدعابة التي يتميز بها أخواننا في مصر.
الثابت الوحيد من كل هذا ملخصه أن الغرب لم يعد اليوم مضطرًا إلى أن يتملق أو يتصنع الحرص على سلامتنا، و لقد أظهرت هذه الحرب الأخيرة، أن جل ما يحرص عليه هؤلاء هو مصالحهم، و مواثيقهم مع الدولة العبرية، فلا يتورّعون في سبيل الإيفاء بذلك حتى من أن يتنازلوا عن عملائهم، و يفضحوا بيادقهم في المنطقة، و هذا ما ظهر مؤخرًا من خلال تلك التقارير الصحفية التي تحدثت و بإسهاب عجيب، عن أدق تفاصيل بعض المكالمات الهاتفية لرموز منطقتنا، أو حتى عن ذلك التقرير الذي خرج في باريس قبل يومين، ليفيد بأن أحد الوزراء اللبنانيين، يشغل منصب عميل مأجور لحساب الموساد في بيروت، و أعطى للجانب الصهيوني معلومات عن مكان تواجد السيد نصر الله لتسرع الطائرات مباشرة بعد ذلك بقصف المكان، و يظهر بعد ذلك أن ذلك الوزير 'الهمام' لا يصلح حتى أن يؤدي دور المخبر.
العولمة والإسلام
إعداد: سهى عبيد* 28/2/1424
المقدمة
في هذه الورقة البحثية سيكون حديثنا عن الإسلام والعولمة، وذلك لعدة اعتبارات أهمها: (أن عالمنا شهد مجموعة من التحولات المفزعة دوليًا والتي أتخذت مظاهر متعددة:(1)
"انهيارية"وذلك من حيث انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية.
"استقطابية أحادية"من حيث استقطاب الاتحاد السوفيتي إلى الحشد الدولي في الحملة الدولية على منطقة الخليج العربي، وكسر عزلة النهوض الذاتي للصين.
"ابتلاعية"أي محاولة تنميط العالم اقتصاديًا وسياسيًا وإعلامياَ وثقافيًا عبر إبتلاع الشركات المتعددة الجنسيات للمسافات الحضارية التاريخية والجغرافية للشعوب والدول القومية.
إذًا عالمًا اليوم له سمات ثلاثة أساسية، انهيار الكتلة الشرقية، وأحادية القطبية، والهيمنة الرأسمالية على كافة مظاهر الحياة، وضمن هذه الظروف يكمن سؤال هام:
أين يقع الإسلام في ظل عالمنا اليوم؟!
ذلك الدين صاحب الرسالة الخالدة العالمية ما هي طبيعة علاقته بالعولمة؟ هل هي علاقة تصارعية؟ أم اندماجية؟
انطلاقًا من الفرضية السابقة ستكون خطة البحث كما يلي:
الباب الأول: موقع الإسلام في النظام العالمي الجديد.
الفصل الأول: ماهية العولمة والنظام العالمي الجديد.
الفصل الثاني: علاقة الإسلام بالعولمة.
الباب الثاني: تقييم عام.
الفصل الأول: مخاطر العولمة على الإسلام.
الفصل الثاني: الخيارات المطروحة أمام مسألة الإسلام والعولمة.
الباب الأول: موقع الإسلام في النظام العالمي الجديد:
الفصل الأول: ماهية العولمة والنظام العالمي الجديد
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية وتحديدًا خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 تحدث الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش"الأب"عن نظام عالمي جديد، هذا النظام في الحقيقة يقوم على هيمنة قطب واحد يحاول فرض سلطته على كافة الصعد الثقافية والسياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية. وللوقوف على حقيقة الموضوع لابد لنا في البداية أن نتعرف على مصطلح النظام العالمي الجديد أو ما عُبر عنه بالعولمة
في الحقيقة هناك العديد من المفاهيم لهذا المصطلح حتى أنك تجد في حال بحثك عن هذا الموضوع أنك في شبكة هائلة من المفاهيم على أن الكثير من المفكرون اعتبروا العولمة تراكمًا تاريخيًا وأمرًا لم يكن مستحدثًا فهي صيغة طُرحت قديمًا بعدة أشكال وطرق فيقول أحمد سلامة (2) (لقد بشر شوبنهاور ونيتشة بعولمة تقوم على أساس نقاء العرق واختطف تلك الفكرة النظرية هتلر الذي كان يسعى للعولمة بطريقته العرقية الخاصة ثم جاء ستالين بطريقة جديدة للعولمة عبر العولمة اللا إلهية، ثم تأتي العولمة اليوم بكونها: فكرة تجمع بين القوة والقدرة والرغبة والمناخ الملائم ليجعل اتباعها من أنفسهم نموذجًا يحتذى إما بالفرض القسري وإما بالتبشير المرغوب فيه فيصير العالم قرية كونية"."
في حين يرى الدكتور سيار الجميل (3) "أن العولمة نظام عالمي جديد له أدواته ووسائله وعناصره وجاءت منجزاتها حصيلة تاريخية لعصر تنوعت فيه تلك التطورات التي ازدحم بها التاريخ الحديث للإنسان بدءً باستكشافه للعالم الجديد عند نهاية القرن الخامس عشر وصولًا لاستكشافه العولمة الجديدة عند نهايات القرن العشرين مرورًا بأنظمة وظواهر وأنساق متنوعة كالإصلاحات الدينية والذهنية والسياسية والثورات الصناعية والرأسمالية والاشتراكية والمرور بأزمات وكوارث وصراعات وحروب أشعلتها الدول، هكذا تأتي فلسفة العولمة لتجسد حصيلة ما حفل به التاريخ الحديث للبشرية".
أما العولمة من وجهة نظر د. برهان غليون (4) فإنها تتجسد في نشوء شبكات اتصال عالمية تربط جميع الاقتصاديات والبلدان والمجتمعات ليخضعها لحركة واحدة، ويتمثل باندماج منظومات رئيسية:
1.المنظمة المالية عبر سوق واحدة رأس المال وبورصة عالمية واحدة.
2.المنظومة الإعلامية والاتصالية.