لسنا بحاجة إلى أن نقرأ الواقع العالمي الحالي بشكل عميق جدًا؛ لأن قراءة سطحية و بسيطة يمكن لأي كان أن يجريها، سوف تكون جديرة بأن توضّح له أن جرائم الحرب التي تُرتكب يوميًا في فلسطين والعراق ولبنان و غيرها-لأن القائمة مع الأسف طويلة- لا تدل فقط على همجية الاستعمار الأمريكي-البريطاني، الأنجلوسكسوني بعبارة أكثر وضوحًا، وعدوانية الكيان الصهيوني الذي هو بلا خلاف، قمة ما بلغته اللصوصية الاستعمارية الغربية في التاريخ الحديث، وإنما تدفع بنا إلى التفكير في المنحى الذي يسير فيه العالم اليوم؛ لأن السؤال الذي يتعين علينا طرحه في الوقت الحالي، هو سؤال حال الحضارة الغربية- إن جاز لنا وصفها بالحضارة أصلًا- و ما آلت إليه من نمطية فكرية متوحشة. يتعين علينا أن نسأل هؤلاء المتحضرين و كل المتأثرين بهم من التيار الليبرالي، مثلما بتنا نسمي عملاء أمريكا و سياستها مؤخرًا، عما آلت إليه هذه الثقافة من توجّهات تدميرية؟ يحق لنا أن نسأل كل هؤلاء عن مفاهيم الحداثة و المدنية، و القيم الديموقراطية و 'قدسية' العقل؟ فهلاّ أخبرتمونا عن موقع الإنسان وسط هذه 'الحضارة'؟ و ماذا تبقّى له في منظوركم، من حرية و كرامة؟
الحقيقة أن الغرب نفسه بات هو أول من ينقلب على معاييره و منطلقاته التي حاول قبلًا، أن يفهمنا أنه تأسس عليها و ناضل و يناضل في سبيل تعميمها، و شيّد كل تشريعاته و قوانينه و نظمه، عليها و اعتمادًا على أطروحاتها. لقد تجاوز هذا الغرب منطق الدين و الأخلاق، فلم يعد الكثيرون عندهم يقدسون غير العقل، بمعنى أن مفهوم الألوهية لم يعد له من وجود عندهم، ثم ها هو الغرب نفسه، ينقلب على هذا 'الإله' الجديد فيقتله مثلما قتلت بنو إسرائيل أنبياءها، بدعوى ما بعد الحداثة (Post-Mode صلى الله عليه وسلم nism) و هذه الأخيرة، على ما يبدو، تكفلت بقتل كل ما تبقّى لديهم من قيم الإنسانية بمعنى أن هذا الغرب تطور و تقدم و ناضل حتى بلغ، مرحلة المادية المتوحشة التي هي أساسًا استنساخ بالغ الدقة لكل قيم و معايير عصر ما قبل اكتشاف النار.
من الواضح إذن أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تعير كبير أهمية لقيم الديمقراطية و مؤسساتها، فضلًا عن حقوق الإنسان، و كل لواحق هذه الأخيرة، و هذا أمر جليّ، و يمكن النظر في قضية التصنت على الأمريكيين أنفسهم لأجل أن يفهم كل مَن لم يزل مؤمنًا بالحرية ليفقه حقيقة ما يجري. لم تعد القوة العظمى إذن تكترث كثيرًا بكل هذا أكثر من اكتراثها بضرورة الانتقال من مستوى الدولة-الأمة أو حتى القوة العظمى، إلى مستوى الإمبراطورية والقوة الوحيدة المهيمنة في العالم، بمعنى أن سلوكها بات لا يختلف كثيرًا عن سلوك كل الإمبراطوريات القديمة في روما مثلًا التي لم يجن العالم من هيمنتها غير ملايين القتلى و المضطهدين على مر قرون سيطرتها، مثلما تقول كتب التاريخ الإنساني قبل أن يتسلط عليها قوم آخرون استخلصوا البطش و الوحشية من الجنود الرومان أنفسهم فأعادوا الصاع، صاعين و مارسوا ذات القيم التي علّمتهم إياهاالإمبراطورية فحرقوا روما، و جعلوا منها أثرًا بعد عين. لقد كان أولئك الناس من البرابرة الجرمان -مثلما يسميهم المؤرخون الغربيون على الرغم من إجرامهم ليس إلا نسخة مكررة من إجرام أسياد روما- ثم ها هو التاريخ يعيد نفسه، على رأي ابن خلدون، و تعاود الحكاية فيخرج جورج بوش ليثبت أمام الدنيا أن يوليوس قيصر الذي مضى على رحيله أكثر من ألفي عام، عاد في شكل جديد مع فارق طفيف في الملامح و الكلمات، و إن كانت الأمانة تقتضي منا الإشارة إلى أن الأول كان شخصًا أكثر ذكاء بكثير من هذا الحالي و باعتراف اقرب مقربيه بلا خلاف.
ليس من الضروري الإشارة إلى أن مفهوم الإمبراطورية يختلف اختلافًا عميقًا عن معنى الديمقراطية، و يمكننا هنا أن نلحظ أن أمريكا المحافظين الجدد باتت تحبذ الاعتماد على إستراتيجية الدمقرطة وتصدير قيم الحرية بالقوة، ثم التراجع عنها، و رفضها حينما تفرز الصناديق مَن لا ترضى عنهم مصانع 'الحرية' مثلما حدث في فلسطين مؤخرًا حينما رفض العالم الحر التعامل مع حركة حماس، على الرغم من أنها اختيرت من قبل شعبها بكل حرية و بنزاهة، ربما هي أرقى بكثير من الانتخابات الأمريكية نفسها.
بالتالي فإن الديموقراطية 'الموصوفة' هذه و بهذا المعنى، لا تعترف بالشعوب فضلًا على أنها تعاديها أصلًا؛ لأن كل ما يهم صُنّاع السياسة في واشنطن، الذين هم في ذات الوقت كبار ملاك شركات النفط و الصناعات الحربية، هو تأمين مصالح أموالهم و امتداداتهم المصلحية و رعاية حركة رساميلهم بمعنى أنهم ليسوا في حاجة إلى من يتبنى طرحهم و إنما هم فقط، بحاجة إلى من يؤمن لهم هذا المطلب و الدليل على ذلك، تاريخ أمريكا الحافل بالانقلابات العسكرية التي نظمتها و رعتها مصالح استخباراتها عبر العالم حيث فرضت النظم الديكتاتورية بالقوة على رؤوس أكثر من شعب و أزاحت حكومات ديموقراطية و حرة بسبب أنها لم تؤمن لها مآربها و مصالحها و لا حاجة لنا هنا إلى أن نستشهد بالأمثلة؛ لأنها كثيرة و عديدة و لا يجهلها إلا من يصر على إغماض عينيه.
يقودنا هذا أن نستخلص أنه و وفقًا لما تقوله ضوابط علم السياسة و فلسفة الحكم أن الغرب المتصهين برمته -حتى لا نضطر إلى أن نستقري قائمة الدول السائرة في الركاب الأمريكي كلها- يريد أنظمة حكم في بلداننا على شكل هجين بمعنى أنها لن تكون ديمقراطية بشكل خطير على مصالح الرساميل، و لا استبدادية بطريقة قد تنتج ردات فعل عنيف كظاهرة تنظيم القاعدة، و كل الفكر القريب منه والأخطر أن أمريكا تتبنى إستراتيجيات التغيير والإصلاح في صور الأنظمة و خطاباتها (كما هي حالة أنظمة كل من مصر و المملكة العربية السعودية و الجزائر) بما أنها لا ترغب فعلًا في أن تفتح المجال الديموقراطي للشعوب حتى تتمكن هذه الأخيرة من أن تحكم مصيرها من خلال اختيار ممثليها أو نموذج المشروع المجتمعي الذي ترغب في أن يسود فيها؛ لأن ممارسة الديموقراطية سوف تأتي حتمًا بمن يعادي أمريكا و مشاريعها -على اختلاف مسمياتها مؤخرًا- إذ إن رفض أمريكا هو النتيجة الفعلية التي أنتجتها سلوكياتها في العراق و أفغانستان، ثم في لبنان مؤخرًا فضلًا عن دعمها اللامشروط لربيبتها دولة الكيان الغاصب بطريقة باتت تحرج حتى عملاء واشنطن كثيرًا، و صار هؤلاء مؤخرًا لا يستطيعون حتى تقديم تفسيرات معقولة يسوّغون بها عمالتهم و انخراطهم في المشروع الأمريكي المتصهين.