وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس، ويقول الراهب (اتهينس) : إن الراهب (أنتوني) لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره. وكان الراهب ( أبراهامم) لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة. وقد قال الراهب الإسكندرى بعد زمن متلهفًا: واأسفاه لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حرامًا، فإذا بنا ندخل الحمامات. وكان الرهبان يتجولون في البلاد ويختطفون الأطفال، ويهربون إلى الصحراء والأديار، وينتزعون الصبية من حجور أمهاتهم، ويربونهم تربية رهبانية، والحكومة لا تملك من الأمر شيئًا، والجمهور والدهماء يؤيدونهم، ويحبذون الذين يهجرون آباءهم وأمهاتهم ويختارون الرهبانية ويهتفون باسمهم. وعرف كبار من الرهبان ومشاهير التاريخ النصراني بالمهارة في التهريب، حتى روى أن الأمهات كن يسترن أولادهن في البيوت، إذا رأين الراهب أمبروز (Amb صلى الله عليه وسلم ose) وأصبح الآباء والأولياء لا يملكون من أولادهم شيئًا، وانتقل نفوذهم وولايتهم إلى الرهبان والقسوس0
(( وكان نتيجة هذه الرهبانية أن خلال القوة والمروءة التى كانت تعد فضائل، عادت فاستحالت عيوبًا ورذائل. وزهد الناس في البشاشة وخفة الروح، والصراحة، والسماحة، والشجاعة والجراءة، وهجروها. وكان من أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم الحياة المنزلية، وعم الكنود والقسوة على الأقارب. فكان الرهبان الذين تفيض قلوبهم حنانًا ورحمة، وعيوبهم من الدمع، تقسو قلوبهم وتجمد عيونهم على الآباء والأمهات والأولاد. فيخلفون الأمهات ثكالى، والأزواج أيامى، والأولاد يتامى، عالة يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء، همهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة، لا يبالون ماتوا أو عاشوا. وحكى(ليكى) من ذلك حكايات تدمع العين وتحزن القلب0
(( وكانوا يفرون من ظل النساء، ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن - ولو كنا أمهات أو أزواجًا أو شقيقات - تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية . وروى(ليكى) من هذه المضحكات المبكيات شيئًا كثيرًا )) ( ) 0
فماذا كانت ثمرة هذا الغلو في مجافاة الفطرة، ومحاولة سحق الميول والاستعدادات الفطرية العميقة في الكينونة الإنسانية؟
إنها لم تكن انتصارًا لهذا الانحراف العاتى، فهذا مستحيل والفطرة أغلب ولم تكن اعتدالًا وتوازنًا في جموح المادية الشهوانية الرومانية. وإنما كانت خليطًا من هذا وذلك. يفسد الحياة كلها إفسادًا 0
كانت هذه الصورة التى يرسمها (ليكى) فى كتاب: (( تاريخ الأخلاق في أوروبا ) )0
(( إن التبذل والإسفاف قد بلغا غايتهما في أخلاق الناس واجتماعهم، وكانت الدعارة والفجور والأخلاد إلى الترف، والتساقط على الشهوات، والتملق في مجالس الملوك وأندية الأغنياء والأمراء، والمسابقة في زخارف اللباس والحلى والزينة .. في حدتها وشدتها.. كانت الدنيا في ذلك الحين تتأرجح بين الرهبانية القصوى، والفجور الأقصى . وإن المدجن التى ظهر فيها أكبر الزهاد كانت أسبق المدن في ا لخلاعة والفجور، وقد اجتمع في هذا العصر الفجور والوهم اللذان هما عدوان لشرف الإنسان وكرامته وقد ضعف رأى الجمهور حتى أصبح الناس لا يحتفلون بسوء الأحدوثة والفضيحة بين الناس.
وكان الضمير الإنسانى ربما يخاف الدين ووعيده، ولكنه أمن واطمأن لاعتقاده أن الأدعية وغيرها تكفر عن جميع أعمال الإنسان .. لقد نفقت سوق المكر والخديعة والكذب، حتى فاق هذا العصر في ذلك، عصر القياصرة. ولكن الظلم والاعتداء والقسوة والخلاعة كانت تؤدى إلى انحطاط في حرية الفكر والحماسة القومية )) 0
ثم كانت الطامة الكبرى، يوم وقفت الكنيسة بما تبنته من آراء (( علمية ) )خاطئة وخرافات وأساطير شائعة، واعتبرته جزءًا من الدين والعقيدة.. يوم وقفت بهذا الغثاء في وجه المنهج العلمى التجريبى الذى تسرب من الجامعات الإسلامية إلى التلامذة الأوربيين، في وجه النتائج (( العلمية ) )الحقيقية التى أخذ هذا المنهج والتلامذة الأوروبيون العلماء يصلون إليها.. وحرقت العلماء، وطاردتهم وأنكرت مناهجهم ونتائج تجاربهم جميعًا 0
كانت هذه هى الطامة الكبرى. إذ جمح العلماء - ثم الجماهير - جموحًا مضادًا لجموح الكنيسة، لا يقف عند حد الاعتدال أبدًا 00
وتلا ذلك النظريات والمذاهب التى أشرنا إليها، جامحة في تلويث الإنسان وتحقيره، ومن ثم إباحة كل خساسات الشهوات الجامحة له، بدون حدود ولا قيود 0
وظلت الموجة العاتية في مدها حتى اللحظة الحاضرة . وإنساحت من أوروبا إلى وليدتها أمريكا، ثم انساحت منها إلى جنبات الأرض، وما تزال ماضية في طريقها. عاصفة مدمرة. تنفخ فيها أبواق الصحافة والسينما والمسرح والأدب والتصوير والنحت.. وسائر الفنون، وسائر أجهزة الإعلام والتوجيه .. ومن ورائها جميعًا (( بروتوكلات صهيون ) )التى تنص على أن هذا كله هدف أصيل للصهيونية العالمية، لتدمير العالم - غير اليهودى - وإصابته بالانحلال، ليسهل بذلك إخضاعه لحكم صهيون!
وما تزال البشرية تهوى إلى هاوية الدمار الأكيد. وعجلة الحياة جامحة مجنونة. تلهبها سياط الأجهزة المتعددة . حتى يأذن الله، فتتسلم القيادة يد غير تلك اليد الرعناء المجنونة الشاردة المحمومة0
إن التخبط في النظر إلى المرأة وإلى علاقات الجنسين، والأرجحة العنيفة بين الغلو والتفريط والتقلب من طرف إلى طرف، والشد والجذب الذى لا يستقر على طريق وسط، ولا يتسق مع فطرة ولا خلق.. إن هذا كله لا يقل عن نظيره في النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته0
ولا يقل أثر الاضطراب والتخبط في النظرة إلى المرأة وإلى علاقات الجنسين في حياة المجتمع الإنسانى، عن أثر التخبط والاضطراب في النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته، فكلاهما ينبع من معين واحد: هو الجهل بحقيقة هذا الكائن بنوعيه، ومن الهوى كذلك والضعف، ثم الانقطاع - مع هذا الجهل والهوى والضعف - عن منهج الله وهداه0
ولإدراك أهمية هذه المسألة - مسألة التخبط في النظر إلى المرأة وإلى علاقات الجنسين - لابد لنا هنا من استصحاب جميع المقدمات التى صدرنا بها الحديث عن (( الإنسان وفطرته واستعداداته ) ).. فهى بنصها هناك تنطبق على الموضوع هنا. فلابد أن نكون على ذكر منها، وأن نعيد مراجعتها في الصفحات السباقة، قبل المضى في موضوع المرأة ( ) 0
ثم نضيف إلى تلك المقدمات أن الحياة البشرية يستحيل أن تستقيم وتعتدل وتطمئن، إذا كانت علاقة الجنسين غير مستقرة، وإذا كانت تتأرجح - تبعًا للنظرة إلى المرأة - من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو إذا كانت تستند إلى الجهل والضعف والهوى0
إن هذه العلاقة هى التى يقوم عليها بناء العمران- هى وقاعدة النظام الاقتصادى وتوزيع الثروات - كما يقوم عليها بناء الأخلاق الإنسانية في مجالات واسعة متشابكة.. والنظرة إلى هذه العلاقة، وإلى العلاقات الاقتصادية كذلك، فرع عن النظرة إلى (( الإنسان ) )التى أفضنا فيها بما تسمح به حدود هذا البحث المجمل في الصفحات السابقة.. ولكنها تحتاج إلى مزيد من الإيضاح خاص بها لضخامة أهميتها0
لقد عنى الإسلام - منهج الله للحياة الإنسانية - بتصحيح النظرة إلى المرأة وبإقامة العلاقة بين الجنسين على أساس من حقائق الفطرة، وبتوضيح هذه العلاقة في كل فرع من فروعها النفسية والعملية، بحيث لا تضطرب ولا تتأرجح، ولا يكتنفها الغموض في زاوية من زواياها00