فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 2255

يتحدث الدكتور باسم خَفَاجِي حول هذه القضيَّة قائلًا: إن من المحزن أن قوانين بلداننا العربية لا تزال تنظر إلى استقطاب العقول على أنه (جلب عمالة) من الخارج، ومن ثم يعامل صاحب العقل الراشد كالعامل في بلداننا العربية، وفي المقابل يعامل كالعالم في بلدان الغرب. لذلك لا غرابة في أن الأمة الإسلامية تعاني من استنزاف قدراتها الفكرية التي تهاجر بلا عودة إلى الغرب بحثًا عن فرصة علمية أو اقتصادية أو بحثًا عن تقدير الذات الذي يفتقد إليه كثير من علماء الأمة في بلادهم.

ويبدي الدكتور باسم تعجُّبه من حال أوضاع بعض المسؤولين في بلادنا الإسلاميَّة بقوله: أليس من المضحك أن تولي دولة من أكبر دول العالم العربي مسؤولية التعامل مع العلماء المهاجرين بالخارج إلى وزير لا يحمل إلا شهادة الابتدائية في دولة عرفت بأنها من أعرق دول العالم العربي في التعليم. كيف يمكن تفسير أن عالمًا حاصلًا على شهادة نوبل يجد مسؤولًا عنه في بلده لم يحصل إلا على شهادة الابتدائية، ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين؟!

ويضيف: استقطاب الطاقات يبدأ من التقدير الحقيقي لها، وليس من امتهانها على أبواب السفارات. إن الولايات المتحدة تفتح ذراعيها لعلماء العالم الإسلامي، وتستثنيهم من كثير من قيود الهجرة، بل وتمنحهم الجنسية الأمريكية لكي تجذبهم إلى الاستقرار في الغرب. ولكننا في العالم العربي لا نسمح للعالم ـ في بعض الدول العربية ـ أن يدخل أبناءه لكي يدرسون في الجامعة نفسها التي يدرِّس هو بها؛ لأنهم من (الأجانب) . نرفض أحيانًا أن نعطيهم إقامة طويلة المدى في بلداننا الإسلامية؛ لأن القوانين تساوي بينهم وبين كل العمال، ولكننا نتحدث كثيرًا أفرادًا وجماعات عن تكريم العلم والعلماء، وأن المعلم كاد أن يكون رسولًا، ويسأل الكثير من العلماء العرب والمسلمين أنفسهم في بلادنا: ألا يقرأ هؤلاء قوله ـ تعالى ـ: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] ؟!

ويذكر الدكتور المدهون عدة نقاط تساهم في توطين العقول في بلادنا الإسلامية، وهي:

1 ـ التكامل والتوازن يقتضي استيعاب العقول والآلات معًا، وللعقول أولوية.

2 ـ الرعاية المؤسساتية الكاملة.

3 ـ يمكن المساهمة في ذلك من خلال بناء الخطط وبناء المؤسسات.

ومن جهته يؤكد الدكتور الضويان على أهمية توطين العقول الإسلامية في بلدانها، ويشير إلى أنَّ الدول المحترمة تسعى إلى توطين العقول لتوظيفها في دعم عجلة التصنيع وتنمية شعوبها ورفاهيتها، وتستطيع الدول الإسلامية ذلك.

إلاَّ أنَّ الدكتور الضويان تساءل في ختام جوابه بقوله: ولكن الواقع يقول: ماذا ستُقدم هذه الدول لتلك العقول لو هاجرت إليها سوى الكبت والتهميش وتقييد الحريات إضافة إلى الفقر والمرض؟!

وحول تأكيده على أهميَّة جلب العقول وتوطينها يشير الدكتور الخطيب إلى أنَّ الولايات المتحدة استطاعت استقطاب معظم العقول النابهة من العالم الثالث، وأن معظم التطور العلمي والتقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة هو ثمرة تلك العقول التي استقطبتها الولايات المتحدة في مدى الأعوام السبعين الماضية منذ بداية الحرب العالمية الثانية، ومعظمها كان من العالمين الإسلامي والعربي.

? كيف نكسر قاعدة التبعية في المجال الاقتصادي؟

التكامل والتعاون الاقتصادي يحمل مؤشرات الانتقال إلى مرحلة الاعتمادية الذاتية، وبذلك نكسر قاعدة التبعية؛ كان هذا جواب الدكتور المدهون عن سؤالنا له عن دور التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية (التجارة البينية) .

ومع تأكيد الدكتور الضويان على أهمية التكامل الاقتصادي الذي يصاحبه التكامل البشري والفني بين الدول الإسلامية وعدّه مطلبًا ضروريًا لامتلاك التقنية، إلاَّ أنَّه يقول متأسفًا: ولكن مع كل أسف الحاصل بينها نوع من التكامل الأمني؛ لأنها ليست دول مؤسسات تنظر بعين تنمية الشعوب ورفاهيتها.

ويختم الأستاذ الدكتور زغلول النجَّار الجواب عن هذه النقطة بإجابة مستوعبة فيقول: التكامل الاقتصادي بين الدول العربية والإسلامية هو أحد وسائل الانتعاش الاقتصادي، والذي بدونه لا يمكن تحقيق أية نهضة علمية. ومن الأمور المخزية أن الدول الإسلامية اعتمدت على الاستيراد من الدول الأخرى بدلًا من التكامل الاقتصادي والصناعي والزراعي فيما بينها، مما أدى إلى خنق كثير من النشاطات الصناعية والزراعية في العالم الإسلامي، وإلى استنزاف أموال المسلمين واستغلالهم، وفرض السيطرة عليهم من قِبَل الدول الموردة وتكتلاتها الصناعية والزراعية والتجارية المختلفة. وتجدر الإشارة في ذلك إلى أن حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية لا يمثل أكثر من (2%) من تجارتها الدولية! وأن هناك أسعارًا خاصة تفرض اليوم على واردات العالم الإسلامي بصفة عامة، كما أن ما تدفعه تلك الدول سنويًا في الاستيراد يكفي لإقامة كبرى الصناعات، ولدعم أضخم المشروعات الزراعية والإنتاجية التي يمكن أن تسد حاجة المسلمين كافة، وتغنيهم عن تحكم التكتلات العالمية المستغلة فيهم. وتكفي الإشارة هنا إلى المبالغ التي دفعت ولا تزال تدفع لاستيراد السيارات والشاحنات والطائرات والأعتدة الحربية.

بهذه الإجابة تكون أجوبة المشاركين في التحقيق قد انتهت، ونسأل الله ـ تعالى ـ أن ينفع بها، وأن يكون هذا التحقيق قد استكمل دوائر الحديث ومحاوره حول هذا الموضوع الحيوي في هذه الحقبة الزمنية، وأنه كان مفيدًا لاستطلاع آراء المختصين فيه، والله ولي التوفيق.

• ملاحظة:

• نشر هذا التحقيق في مجلَّة البيان عدد (238)

إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

إن أهل الباطل عندهم بصر مادي-ينظرون به فيرون ما تمكن رؤيته من الكون العلوي والسفلي، بل وصلوا إلى رؤية ما لم يكن في الحسبان رؤيته من دقائق الأمور، وما بَعُدَ في هذا الكون، عن طريق ما صنعوا من آلات مكبرة ومقربة، وعن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية التي غزوا بها-كما يقولون-الفضاء، ولا زالوا يطورونها.

وأما الأرض وبعض طبقاتها فقد مسحوا كثيرا منها ولا زالوا يمسحون ويطلعون فيها على أسرار خطيرة-غير الأسرار الطبيعية- [ ومنها الأسرار العسكرية.] لا يعرفها كثير من مسئولي البلدان التي هي فيها.

ومع هذا كله فإن أهل الباطل عميٌ يتخبطون في دياجير ظلمات الكفر والجهل-وإن سموا علماء، وأصبح هذا المصطلح"علماء"يغلب عليهم عند عامة المثقفين في الأرض-.

وهم علماء فعلا في تخصصاتهم التي مكنتهم من علم بعض ظواهر الحياة الدنيا، كما قال تعالى نافيا عنهم حقيقة العلم الذي ينفعهم وينفع أممهم في الحياة الدنيا والآخرة، ومثبتا لهم ما حازوه من علم بعض من ظاهر الحياة الدنيا: (( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ). [الروم: 6، 7]

فأهل الباطل هؤلاء-وغيرهم-يعيشون في ظلمات-وإن ملأ الغرور أدمغتهم والكبرُ قلوبَهم بما وصلوا إليه من العلم المادي-وهم في حاجة إلى من ينبههم من غفلتهم ويخرجهم من الظلمات: ظلمات الكفر والجهل بالخالق وبالغيب الذي يجب الإيمان به، وبشرع الله ووحيه ورسله، ومنهج الحياة الذي يسعدهم في دنياهم وأخراهم، إذا ما طبقوه في حياتهم.

قال تعالى: (( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) ). [البقرة: 257]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت