فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 2255

إن أعداء الإسلام قد استعملوا المقاطعة ضد المسلمين مقاطعة شاملة لكل ما يحتاجونه من طعام وشراب وبيع وشراء ومصاهرة وغيرها من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المسلمين ومَن انضم إليهم من أسرته وأقاربه من غير المسلمين، ومكثوا في شعب أبي طالب ثلاث سنين، حتى وجد من قطع صحيفة الظلم والقطيعة من عقلاء المشركين، وصبر الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك المقاطعة حتى أكلوا أوراق الشجر وما وقعت عليه أيديهم، حتى فرج الله عنهم، ولا زال أعداء المسلمين يسلكون نفس المسلك ولكن بصورة أشد ضررا كما هو معلوم.

وإن للمسلمين الحق في مقاطعة أعداء الله كما يقاطعهم هؤلاء جزاءا وفاقا ومعاملة بالمثل والبادئ أظلم، وعندما يدعونا علماؤنا إلى مقاطعة أعدائنا فعلينا الاستجابة لدعوتهم، حتى تنزل بهم الخسائر التي تردعهم عن العدوان علينا والتطاول على ربنا عز وجل وكتابنا وديننا ونبينا صلى الله عليه وسلم.

ولكن يجب على أولياء أمور المسلمين أن يجتهدوا في اتخاذ كافة الأسباب التي توفر لشعوبهم ما تحتاج إليه من فروض الكفاية التي لا غنى لهم عنها، من مأكل ومشرب وملبس وكافة الصناعات المشار إليها سابقا وغيرها، حتى يستغنوا عن عدوهم الذي إذا قاطعهم أوقعتهم مقاطعته في غاية الحرج والمشقة وألب على مقاطعتهم كافة الدول حتى الدول التي تحكم الشعوب الإسلامية، كما حصل في العراق وليبيا وغيرهما، وعلى الشعوب الإسلامية أن تتعاون مع من يقوم بذلك من حكامها، بل عليها أن تحملهم على القيام بذلك لتنجو من عدوان أعدائها عليها.

فإذا قام حكام الشعوب الإسلامية ورعاياهم بذلك حققت مقاطعتهم لعدوهم مقصودها من إنزال الخسائر باقتصاده وكل ما من شأنه أن يقويه على عدوانه.

أما إذا لم يقم المسلمون بتوفير ما يحتاجونه لاعتمادهم على ما ينالونه من أعدائهم، فما ذا تجدي مقاطعته التي تكون خسائرهم فيه أشد، لأنهم يحتاجون إلى ما عنده من لقمة عيشهم ولباسهم واقتصادهم وبنوكهم ومواصلاتهم واتصالاتهم وقطع غيار آلاتهم وغير ذلك؟ ثم إن مقاطعة المسلمين لا تدوم لأنها تكون ناشئة عن عاطفة سرعان من تبهت ويعودون إلى ما كانوا عليه من قبل.

أليس من العيب علينا أن نكون مثل السفهاء يحجر علينا أعداؤنا في أموالنا وبنوكنا واقتصادنا وتجارتنا وفي كل شأن من شئوننا إذا قاطعَونا ونحن لا نقدر على مقاطعتهم، وإذا حاولنا مقاطعتهم نزلت بنا الخسائر والضيق والحرج، وهو يهز كتفيه مستهزئا بنا وساخرا منا ويقول لنا: ما ذا حققتم من مقاطعتنا كما صرح بذلك بعض المسئولين في الدانمارك عندما قاطعتهم بعض الشعوب الإسلامية بعد طعنهم في نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم. ؟

إن الواجب على علمائنا ومفكرينا وذوي الحل والعقد فينا أن يهتموا بهذا الأمر ويجدوا فيه، ولا يتباطئوا فيه ويغفلوا عنه، لأن أعداءنا لنا بالمرصاد وقد أعدوا لنا به العدة لنكون دائما مضطرين إلى ما عندهم وهم مستغنون عنا، والله تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ .... [النساء(71) ] ويقول: (( وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً ... ) ) [النساء (102) ]

وقال تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ) [الأنفال:60] .

كتبه

د . عبد الله قادري الأهدل

اضطراب في القيم

مبارك عامر بقنه

في ظل التواصل المعرفي المنفتح تتلقف العقول الأفكار الوافدة الغريبة، وسرعان ما تتعايش هذه العقول مع هذه الأفكار والرؤى. وليس العجيب عن ورود الأفكار إلى عقول الناس ولكن العجب هو قبول الناس لهذه الأفكار الغريبة الشاذة، والتواؤم الذي يحدث بمجرد الاتصال.

كنا بالأمس القريب نرى أن مجرد الخواطر أو جريان الأوهام حول حمأ هذه الأفكار الغريبة يعتبر

جريمة لا تغتفر. واليوم نرى أن هذه الأفكار والرؤى هي من البديهيات التي لا يجادل فيها إنسان، وأنها من مسلمات العقول السليمة.كيف حدث هذا التحول؟ هل التغير حدث في البديهيات والمسلمات أم حدث في عقولنا؟ هل كانت عقولنا تنكر البديهيات ؟ أليست مبادئنا هي من الثوابت والتي هي في الميزان العقلي أشد ثقلًا من البديهيات؛ إذ أن البديهيات تتغير من شخص لآخر.

إنها إشكالية مقلقة، نواجهها كل يوم، صراع قوي دائم بين المبادئ والقيم وبين الدخيل على هذه القيم. فهذا الدخيل يكاد يزعزع قيم الناس وما يحملونه من مصداقية المبادئ، فالآخر يملك قوة تأثيرية، فهو يسيطر على كثير من المنافذ الإعلامية والتي عبرها يتسلل إلى مشاعر وأحاسيس الناس فيعبث فيها كيف يشاء، ويقودها حيثما أراد، مستغلًا جهل الناس بحقيقة الأمور وانبهارهم بزيف الحضارة الغربية.

والخلط يحدث عندما يجعل هناك تلازم بين صحة القيمة والرمز. فالشخص البسيط يحكم على صحة القيمة ومصداقيتها إذا رأى لها مثالًا واقعًا في الناس، وأكثر الناس يعجزون أن يحكموا على القيمة مجردة من المثال ومن المؤسف حقًا أن يرتبط في أفهام الناس القيمة بالشخص، فارتباط المبدأ والقيمة بالشخص من أسباب ضعف تعلق الناس بهذه القيم الرفيعة . ولهذا لا بد أن يكون هناك فصل في أذهاننا بين المبدأ والشخص، والقيمة والرمز، فالشخوص متغيرة والمبادئ ثابتة، والرموز تنتهي والقيم باقية مستمرة.

إن المساواة بين القيمة والشخصية الرمزية إسقاط لهذه القيمة . نعم، إننا ندرك أن هذه الشخصية برزت وتميزت بهذه المبادئ التي تحملها وتؤمن بها؛ ولكن قد يحدث هناك انفصال بين هذه الشخصية وما تحمله من مبدأ لطبيعة الشخصية الإنسانية التي فطرها الله عليها من ضعف وعجز وخور، فهل نحمّل هذه المبادئ والقيم هذا الضعف والخور البشري، إن فعلنا ذلك فقد اقترفنا خطيئة مركبة في حق المبادئ وحق الشخصية.

وتبنّي مجموعة ما لقيمة أو فكرة ما لا يعطي هذه القيمة الصلاحية لمجرد أن لها أتباعًا كثر، فالأكثرية ليست معيارًا للحكم على صحة المبدأ ) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ((يوسف:103) فالجمهرة والغوغائية لا تغير من حقائق الأمور، وإنما تستمد المبادئ صحتها من ذاتها، فتوازنها وتكاملها وتناسقها وانسجامها مع الفطرة وعدم اعتراضها أو تصادمها مع شريعة ربها يمنحها القيمة والاعتبار، فاتخاذها مبدأ ينبني على هذا الأساس.

لذلك فالمبادئ الزائفة ليس لها قيمة فهي بُنيت على أساس جرف هار، إذ تستمد قيمتها من عقول محدودة البعد في الزمان والمكان، متلوثة بأساطير موروثة مشوهة في اعتقادها. ومع إنه لابد أن يكون لكل أمة رصيدًا من القيم الإنسانية الرفيعة تستند عليها من أجل البقاء والرقي الإنساني، وبقدر ما تتمسك هذه الأمم بالقيم الصحيحة التي تملكها بقدر ما يكون نموها وتطورها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت