فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 2255

أتراهم يرغبون أن ينهج منهجهم في النظم الإدارية والسياسية التي يدعون أنهم يطبقونها ويمدحونها، كالديمقراطية مثلا؟ إنهم لا يريدون للعالم الإسلامي ذلك، لأن الديموقراطية تعطي الشعوب حرية اختيار النظام، والشعوب الإسلامية لا ترضى عن الإسلام بديلًا. [راجع نفس الكتاب السابق ص28ـ29 وهاهم يدعون الدول العربية وغيرها من حكومات الشعوب الإسلامية إلى الديمقراطية، فإذا طبقت في بعض الشعوب، كان الفوز فيها للمسلمين وليس للمنافقين الموالين لهم حاربوا لديمقراطية وحكامها الذين اختارتهم الشعوب، وأقرب مثال لذلك فوز حركة حماس في الأرض المباركة"فلسطين"]

وإذا كانوا لا يريدون لنا التقدم الصناعي، ولا التقدم السياسي، فما الحضارة التي حرصوا على أن نتدرج فيها؟ إنها تقليدهم في عقائدهم الكافرة، ونظامهم الاجتماعي، وترك المسجد والقرآن وتوجيهات رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

لقد فكروا وقرروا ونجحوا!

نعم، إن القوم درسوا تاريخ الإسلام والمسلمين قديما ودرسوا تاريخ المسلمين حديثا، فوجدوا أن الإسلام هو دين الفطرة الذي يدخل الناس فيه أفواجا، إذا وَجَد أمةً تحمله وتحميه وتقوم بتبليغه الناس كافة، تبليغا يتحقق به البلاغ المبين الذي هو وظيفة رسل الله جميعا، وقد ختمهم بخيرهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى الخلق أجمعين إلى يوم الدين، كما قال تعالى: (( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ) [النحل (35) ]

وقال مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ) [المائدة (67) ]

وقال له: (( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ) [النحل (82) ]

وكلف أمته ما كلف رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) )يوسف [ (108) ]

عرف أعداء الله أن هذا الدين عندما بلغه رسوله الكريم وتبعته أمته على ذلك انتشر بسرعة هائلة لم ينتشر بها غيره من الأديان والمبادئ في جميع حقب التاريخ، وصل إلى حدود الصين شرقا وإلى المحيط الأطلسي غربا في فترة قصيرة، وتغلغل في القارة الأوربية ومكث فيها قرونا، أنار بحضارته أطرافا منها كانت مظلمة وعلم ملوكها وأمراءها التمدن الذي كانوا يفقدونه، بل علمهم معنى الدولة وإقامتها، وفتح لهم آفاقا لم يكونوا على علم بها، كما ذكر ذلك بعض فلاسفتهم ومفكريهم، ومنهم العالم الفرنسي"غوستاف لوبون"في كتابه حضارة العرب، ومنهم الفيلسوفة الألمانية"زغرد هونكه"في كثير من كتبها، وبخاصة: كتاب:"شمس الله تسطع على الغرب"الذي حرف عنوانه مترجمه القومي العربي إلى"شمس العرب تسطع على الغرب"وقد أنكرت ذلك التحريف عندما قابلتها في منزلها في مدينة"بون".

كما عرفوا أن دين الإسلام مهما ضعف أهله وغفلوا عن اتخاذ أسباب قوتهم وعزتهم أو ناموا عنها، فلا بد أن ينفخ فيهم روح العزة ليقويهم، وينبههم من غفلتهم فيفيقون ويوقظهم من نومهم فيصحون ويعودون إلى دينهم فينصرونه وينتصرون.

وقد علم أعداء الله أن حربهم للإسلام بالسلاح مهما اشتدت وطالت، فلا بد أن تكون نهايتها الفشل والهزيمة، بشرط أن تكون أمة الإسلام قائمة حقا بأمر الله سائرة على منهاجه، متمسكة بهدية الذي أنزله في كتابه.

ولهذا اتخذوا لحربه وحرب أهله ثلاث وسائل:

الوسيلة الأولى: الغزو الفكري الذي ضللوا به كثيرا من عقول أبناء المسلمين الذي استطاعوا به السيطرة المطلقة عليهم والهيمنة على شعوبهم عن طريق مناهج تعليمهم سواء أكان ذلك في بلدان المسلمين عندما احتلوها وسيطروا على كل مرافقها، أو في البلدان الغربية عندما هاجر شباب المسلمين إليها استقبلوا فيها الوافدين منهم، فخرجوا أجيالا من هؤلاء أسماؤهم أسماء إسلامية كمحمد وعلي وإبراهيم، وعقائدهم وأفكارهم أجنبية مراجعها جورج وميشال وكيسنجر، ودأبوا على متابعتهم ورعايتهم حتى مكنوهم من مراكز القيادة في أغلب الشعوب الإسلامية، فحققوا لأسيادهم ما لم يكونوا يحلمون بتحقيقه بأنفسهم، فأقصوا دين الإسلام وأحلوا محله ما يخالفه ويضاده من عقائد الكفر وأخلاق الكافرين.

الوسيلة الثانية: وضع كافة السدود التي تحول بين الشعوب الإسلامية و اتخاذها وسائل الرقي والتقدم المادي الذي يخافون أن يجمع المسلمون بينه وبين الرقي المعنوي وهو التمسك بالإسلام، لأنهم يعلمون أن جمع المسلمين بين الأمرين سيحررهم من العبودية لهم، وبخاصة الصناعة بمعناها الشامل الذي يخفى على غالب المسلمين الذين يظنون أن الصناعة قاصرة على ما هو مشهور من صناعة وسائل المواصلات، كالطائرة والسيارة وغيرهما.

والحقيقة أن الصناعة أصبحت في هذا العصر شاملة لما لا يحصى من الأمور، فهناك صناعة المواصلات وهناك صناعة الاتصالات، وهناك صناعة الإعلام، وهناك صناعة الاقتصاد، وهناك صناعة السياسة، وهناك صناعة البنوك والأموال، وهناك صناعة الزراعة وهناك صناعة التكتلات والتحالفات، وهناك صناعة مرافق المعيشة الشاملة لكل ما تحتاجه الأمم والشعوب، هذه الصناعات كلها استطاع أعداء الإسلام أن يستأثروا بها يحولوا بين المسلمين وبينها، بأمرين:

الأمر الأول: تزهيد قادة الشعوب الإسلامية في الاهتمام بها، والضغط على من يفكر في شيء منها لإثنائه عن محاولة تنفيذ تفكيره فيها في الوقع، حتى لا تتقدم الشعوب الإسلامية في تلك الصناعات.

الأمر الثاني: اتخاذ كافة الأسباب التي تمكن الغربيين من أن يكونوا هم المحتكرين لجميع الصناعات بحيث يغرقون الشعوب الإسلامية بما تحتاج إليه من مرافق حياتها من الدراجة العادية إلى الطائرة العملاقة، ومن الدراجة النارية إلى السفينة الضخمة لتكون بلاد المسلمين سوقا تصدر للمعتدين المواد الخام بأرخص السعار، ثم يبيعهم الأعداء مشتقاتها بعد صنعها بأغلى الأثمان، فيترتب على ذلك أن تكون بلدان المسلمين سوقا يسيطر عليها الأعداء لصناعاتهم الغالية التي يستهلكونها، ولا ينتجون شيئا ذا بال يغنيهم عن السادة الغربيين، حتى إذا سيطروا على العالم الإسلامي سيطرة كاملة أدبوا أي قائد في أي شعب يحاول السعي في تحرير نفسه وشعبه من الهيمنة الغربية.

فيحاصرونه بالمقاطعة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والزراعية والطبية، فيجوع الشعب المحاصر ويعرى وتقتله الأمراض الفتاكة، ليصبح مضطرا إلى الاستسلام الكامل للأجنبي الظالم.

الوسيلة الثالثة: الاستمرار في الغزو العسكري المباشر بالجيوش الغازية إذا لم تنجح الوسيلتان السابقتان، بعد أن تصبح الشعوب الإسلامية المقاطعة في غاية من الضعف بحيث لا تستطيع الدفاع عن نفسها، كما حصل في هذه الفترة للشعبين العراقي والأفغاني، وكما هي الحالة الدائمة على الشعب الفلسطيني المجاهد الذي تعاون عليه العدو اليهودي والنصراني والعملاء من أبنائه وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت