فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 2255

وقيام المسلمين بإنشاء مصانع جهادية وغيرها مما يسد حاجتهم ويقوي شوكتهم، هو فرض عليهم، ما كانوا قادرين على ذلك، لأنهم به يستغنون عن عدوهم، ويحفظون أسرارهم وأموالهم والخيرات التي أنعم الله بها عليهم في بلدانهم، ويطورون صناعاتهم على حسب الحاجة والمصلحة، ويأمنون من خيانة عدوهم الذي يشترون السلاح منه، لأنه غالبًا لا يبيعهم إلا السلاح الذي لا يصلح لدفع عدوانه عنهم، إذ يصنع لنفسه أسلحة متفوقة في الهجوم والدفاع، ويحظر على المسلمين الاطلاع على أعيانها وأسرار صناعتها، مع أنه - أي العدو - يعلم خفايا أسلحة المسلمين التي بأيديهم، لأنه هو الذي صنعها لهم، فيكون بذلك قادرًا على حرب المفاجأة، والمسلمون غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم بالأسلحة التي بين أيديهم، إضافة إلى احتكار عدوهم قطع الغيار التي يستطيع حظرها على المسلمين وقت ما يشاء، فيبقى سلاحهم شبيها بقمامات مكدسة، لا يستفيدون منها شيئا عند الحاجة.

وليس معنى هذا أن المسلمين لا يجوز لهم أن يشتروا نتاج مصانع السلاح وغيره من أعداء الله الكافرين، قبل أن يستغنوا بمصانعهم التي يقيمونها هم، بل يجب أن يشتروا منهم الأسلحة وغيرها، عندما لا يكونون قادرين على صنعها بأنفسهم، أو لا يجدونها عند بعضهم من المسلمين و لا غناء لهم عنها، ولكن يجب عليهم - أيضًا - أن يسعوا لإنشاء المصانع المستطاعة التي تحقق لهم ما أمرهم الله به من قوة.

وعندئذ يكونون ممتثلين أمر الله سبحانه في الإعداد، وعليهم أن يجتهدوا في اختيار الدول التي يشترون منها السلاح، وأن يتثبتوا لأنفسهم من جودته، وأن يكون سعره مناسبًا قدر الاستطاعة.

فقد يكون العدو الكافر الذي يبيع المسلمين أسلحته، ليس بينه وبين المسلمين حرب مباشرة، بل تكون الحرب بينهم وبين كافر آخر، ولكن هذا العدو المحارب يستمد مؤنه وذخائره من العدو الكافر الآخر الذي يبيع السلاح وغيره للمسلمين، فعلى المسلمين أن يجتهدوا في أن يكون السلاح الذي يشترونه منه، مثل السلاح الذي يبيعه لعدوهم المحارب، إذا لم يكن أقوى منه، وأن يستعملوا في سبيل الحصول على ذلك كل الوسائل المادية، التي تجبر البائع على الاستجابة لطلبهم، فإنه قد يكون في حاجة إلى شراء بعض المواد من المسلمين، وعليهم أن يستغلوا حاجته كما يستغل هو حاجتهم.

إن أعداء الإسلام حاقدون على هذا الدين وأهله حقدا متأصلا في نفوسهم، وهم يتمنون إن يزيلوا من الأرض دين الله الحق الذي لم يعد في أرض الله دين حق سواه وهو الإسلام

فهم لا يُخفُون حقدهم على المسلمين وعلى كل شعيرة من شعائرهم ، وبخاصة ما يربط بينهم رباطا قويا ويجمع كلمتهم ووجهتم لله رب العالمين، كالمساجد والقرآن، وقد قال بعضهم:"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا مُحمد وكتابه".

وليس المقصود بمكة مبانيها، وإنما المقصود الكعبة التي يستقبلها المسلمون بصلاتهم في كل لحظة من لحظاتهم في كل أنحاء الأرض فرضًا أو نفلًا، والتي تهفو إليها قلوبهم من كل مكان، للصلاة في صحنها والطواف بها، وأداء مناسك الحج والعمرة فيها وحولها، وهي من أعظم العوامل الموحدة للمسلمين، وقد جمع هذا العدو ثلاثة أمور:

الأمر الأول: القرآن، وهو منهج المسلمين الذي ينظم لهم حياتهم ويهديهم للتي هي أقوم.

الأمر الثاني: المسجد الذي تمثله الكعبة المشرفة، وهو يعنى إبعاد المسلمين عن الإسلام بتركه كليا، حتى لا تكون لهم قبلة، ولا يتجهون إلى الله بعبادة.

الأمر الثالث: الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن لا يكون للمسلمين إمام متبوع واحد يجمع كلمتهم بتوجيهه، ولهذا حاولوا ولا يزالون يحاولون النيل من جنابه صلى الله عليه وسلم في وسائل إعلامهم ومراكز بحثهم ومناهج مدارسهم وجامعاتهم وكتبهم، كما حاولوا ألا تجتمع كلمتهم على قائد مسلم واحد، ولا تتراص صفوفهم على منهج الله.

وهذه هي الأصول الثلاثة التي لا دين للمسلمين إذا ذهب أحدها، وهى: المنهج الذي هو القرآن، والإسلام الذي رمز له بمكة، والرسول الذي هو الواسطة الوحيد بين المسلمين وربهم.

ويعلل هذا العدو تمنيه هدم دين الله بأنه يريد أن يتدرج المسلمون في سبيل الحضارة الغربية.

والمقصود بالحضارة اتباع عقائد الغرب ومذاهبهم الفكرية، والاجتماعية والأخلاقية، والتسليم المطلق للتوجيه الغربي اليهودي النصراني، وليس المقصود استفادة المسلمين من التقدم المادي الصناعي والإداري، بل ولا السياسي، فإنهم لا يريدون أن يتقدم المسلمون في المجال الصناعي، لأن تقدمهم في نظرهم، يعنى القضاء على الحضارة الغربية بمفهومها الشامل- أي العقائد والأفكار- كما قال بعض مفكريهم ناصحًا لهم من عودة القوة الإسلامية:"وسيعيد التأريخ نفسه، مبتدئًا من الشرق عودًا على بدء، من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية الإسلامية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة التي تكمن في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية، وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والاستفادة منها، وستقلب موازين القوى، لأنها قائمة على أسس لا تتوافر في غيرها من تيارات القوى العالمية"إلى أن قال:"إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي، لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه، هل يسمع أحد؟ ألا من مجيب؟) [الإسلام قوة الغد العالمية ص322ـ324] ."

ويقول آخر محذرًا من تقدم المسلمين الصناعي وخطره على أوروبا كما يزعم:"وفرصتهم [يعني المسلمين] في تحقيق أحلامهم، هي في اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب، فإذا أصبح لهم علمهم، وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع، انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الغني، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية، ويقذفون رسالتها إلى متاحف التاريخ" [تأمل قوله:"قواعد الروح الغربية ويقذفون رسالتها في متاحف التاريخ"هذه هي الحضارة التي يخشون عليها من قوة المسلمين، وليست الحضارة المادية من مصانع وغيرها، لأنهم قد عرفوا أن المسلمين إذا فتحوا البلدان بالدعوة أو الجهاد، لا يألون جهدا في الاستفادة من حضارات الأمم الأخرى سواء كانت تنظيمية إدارية أو صناعية ما دامت لا تخالف الإسلام ولا تجافيه، وهذا ما عملوه عندما فتحوا بلاد فارس وبلاد الروم]

ثم اقترح على بني قومه ما يحول بين المسلمين والتقدم الصناعي، فقال:"فلنعط هذا العالمَ ما يشاء، ولنقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة، وتحرر العملاق من قيود جهله، وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق الذريع، وأصبح خطر العالم العربي، وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة، خطرًا داهمًا يتعرض به التراث الحضاري الغربي لكارثة تاريخية، ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية" [جند الله ثقافة وأخلاقًا، للشيخ سعيد حوا رحمه الله ص20ـ21] .

وإذا كان التقدم الصناعي للمسلمين وما وراءه من الطاقات الإسلامية، يهدد أهل الغرب ويخيفهم، وأنه لابد من إغراق العالم الإسلامي بما يحتاج إليه من الإنتاج الصناعي من الغرب، حتى لا يفكر في الصناعة، فأيُّ سبيلِ حضارةٍ يريدونه أن يتدرج فيها من الحضارة الأوروبية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت