ولقد هيأ الله تعالى للأمم في كل زمان وبخاصة في هذا العصر ما أدهش العقول، من الأسباب المادية التي يكتسب بها الرزقَ و القوة مَن تعاطاها في مأكله ومشربه ومسكنه وتجارته وصناعته التي تغنيه عن الخضوع لعدوه في سلمه وحربه، وهذه الأسباب مسخرة لكل عامل، مسلما كان أم كافرا.
وطبيعي أن يسعى كل فرد أو أسرة أو جماعة أو دولة إلى إيجاد ما يحتاجون إليه باتخاذ الأسباب الموصلة إليه، فإذا توانوا عن اتخاذ تلك الأسباب وقعدوا عنها، فقد انحطوا عن درجة الإنسانية إلى أقل من درجات الحيوانات التي هداها الله بفطرتها وغريزتها التي هيأها بها إلى اتخاذ الأسباب الجالبة لما يطعمها ويسقيها كما هو مشاهد من سائرها، سواء كانت من ذوات الأجنحة أو ذوات الأربع أو الزاحفة على بطونها أو السابحة في بحارها أو غيرها.
ففي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا) [سنن الترمذي (4/573) وقال:"هذا حديث حسن صحيح"و الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/354) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"] فالطير لا تشبع بطونها إلا يغدوها ورواحها، لا ببقائها في أعشاشها وأماكن نومها وراحتها.
وقد امتن الله تعالى في كتابه على العقلاء من خلقه بما سخره لهم في سماواته وأرضه مما لو تعاطوا الأسباب المؤدية إلى الاستفادة منه وبخاصة المسلمين منهم، لفازوا فوزا يكتسبون به عزتهم وقوة ريحهم، فلا يذلهم مَن اتخذ الأسباب التي تطوع له ذلك التسخير من أعدائهم وتجعله يذل بها المسلمين الذين هم أجدر بتعاطي ما يمكنهم من السيادة في الأرض، وفي آيات القرآن الكريم الكثيرة ما يحض كل ذي عقل إلى استغلال ذلك التسخير الإلهي العظيم:
مثل قوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ...) [الحج (65) ]
وأرشد تعالى المؤمنين خاصة إلى الجمع بين اتخاذ أسباب الرزق و اتخاذ أسباب رضاه بأداء عبادته ورتب على فعلهم كلا الأمرين فلاحَهم، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(9) فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [الجمعة (10) ]
وأمرهم تعالى أمر إيجاب ببذل جهدهم المستطاع باتخاذ أسباب القوة التي تقيهم عدوان غيرهم من كفار الأرض، بحيث تجعل تلك القوة عدوهم الظاهر لهم والخفي عليهم يَرْهَبُهم ويجبن عن عدوانه عليهم، كما قال تعالى: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) ) [الأنفال (60) ]
ولهذا وجدنا أعداء الإسلام يحاربون المسلمين حربا شعواء، إذا أدركوا أنهم يعدون تلك العدة المرهبة لهم، ليحولوا بينهم وبين امتلاكها، وليكون أولئك الأعداء هم الذين يرهبون المسلمين، بدلا من إرهاب المسلمين لهم الذي أمرهم به في كتابه.
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته التي يعين بعضها بعضا على إعداد العدة والإمداد بها واستعمالها في رفع راية الإسلام، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (انتضلوا واركبوا، وإن تنتضلوا أحب إلي، إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب فيه الخير، والمتنبل والرامي به) [الحاكم في المستدرك على الصحيحين 2/104دار الكتب العلمية بيروت]
[والانتضال: الرمي بالسلاح]
وفي حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به، وقال ارموا واركبوا ولَأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا..)
ولقد أثبت الواقع في جميع العصور أهمية الرمي الذي هو أحب إلى الرسول صلى من الركوب وما نشاهده في هذا العصر من خطر الرمي يؤكد ذلك تمام التأكيد)
و عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. [سنن الترمذي دار إحياء التراث العربي بيروت (4/174) وقال: أبو عيسى: وفي الباب عن كعب بن مرة وعمرو بن عبسة وعبد الله بن عمرو وهذا حديث حسن صحيح]
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن في المسلمين كلهم خيرا ولكنه خص بالثناء القوي منهم، كما في حديث أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز...) [صحيح مسلم دار إحياء التراث العربي بيروت (4/2052) ]
إهمال الأمة غالب فروض الكفاية.
من جد وجد ومن عزَّ بزَّ.
وها هم أعداء الله الكفار قد استغلوا كل ما بلغته طاقتهم، ووصل إليه جهدهم من أسباب الرقي المادي، ولا زالوا في نشاط متواصل لاستغلال ما سخره الله للبشر.
وفضل الله الدنيوي مفتوح لكل مُجِدِ ٍّفي تحصيله لا فرق بين مسلم وكافر، ولما لم يقم المسلمون بذلك بجد صاروا من سقط المتاع، وذيلًا للأعداء مع قدرتهم التي عطلوها عمدا، ولو استغلوها لكانوا على غير هذا الوضع المزري.
قال سيد قطب رحمه الله:"ويحسن أن تعرف حدود التكليف بإعداد القوة فالنص يقول: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) )فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها، كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة: (( ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) )فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله، الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض، الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون ومَن وراءهم ممن لا يعرفونهم، والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة، ليكونوا مرهوبين في الأرض، ولتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله."
ولما كان إعداد القوة يقتضي أموالًا، وكان النظام الإسلامي يقوم على التكافل، فقد اقترنت الدعوة إلى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله: (( وما تنفقوا من شيء يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ). [في ظلال القرآن الكريم (10/1544) ] .