فهرس الكتاب

الصفحة 1933 من 2255

وعلى الرغم من أن كاتب هذه الدراسة قد أكد على كثيرٍ من الخصائص التي تميز بين الحضارات، واستطاع أن يوضح العلاقات والقوانين التي يمكن أن تتحكم في العلاقات الدولية في ظل صراع الحضارات، إلا أنه قد وجه دراسته في النهاية نحو ما يمكن أن يسمى بالاتجاه السائد في الغرب للبحث عن خطر عسكري جديد بدلًا عن الشيوعية»، ولهذا نجد أن الباحث قد ركز عند حديثه عن خطورة الاتصال بين الحضارة الإسلامية والكنفوشوسية كحلف متوقع ضد الغرب ركز على الجانب العسكري، بل وعلى جانب التسليح فقط من التعاون الحضاري، وقد أغفل الجوانب الرئيسة التي تكون الحضارات وتدعم التعاون بينها، مثل الدين واللغة والتاريخ المشترك، وكان الاستشهاد على وجود نوع من التحالف بين الإسلام وبين الحضارة الكنفوشوسية بتصدير الأسلحة إلى دول مثل ليبيا وإيران والجزائر والعراق وباكستان، متهافتا جدًا حيث إن العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى تعتمد على التسلح من دول الغرب، ولم يعتبر أحدًا أن هذا التعاون هو تحالف حضاري بين الإسلام والغرب، ويبدو أن المؤلف في هذا الجزء من الدراسة قد قام بعملية قسرية لأفكاره لتتماشى مع الحملة الكبيرة على المستوى السياسي في الغرب لتصوير الإسلام بالخطر البديل عن الشيوعية، وذلك لأن الجمهور الغربي، كما يقول شومسكي: «لن يختار الدرب الذي يخدم مصالح الشركات الكبرى ولن يزيد المغامرات الخارجية لإخضاع العالم الثالث للمطالب ذاتها إلا إذا سيق إلى ذلك عن طريق الخوف..» .

ويمكن الاستشهاد بتهافت فكرة خطر التعاون العسكري بين الصين وبعض البلاد الإسلامية، على الغرب بما ذكره الكاتب من أن هناك جهة (الجهة الإسلامية/ الكنفوشوسية) تطور أسلحتها وقدراتها العسكرية، وجهة أخرى (الجهة الغربية) تخفض وتحد من إمكاناتها العسكرية، ولا شك أن الفارق عظيم بين الجهتين في الوقت الحاضر من ناحية التفوق العسكري والتقني، كما أن الرقابة على تصدير الأسلحة النووية وغيرها والذي تقوم به الدول الغربية يمنع إحراز البلاد الإسلامية ولو على جزء يسير مما عند صنيعة الغرب في المنطقة «إسرائيل» .

ولهذا فإن التوصيات التي ذكرها الكاتب في نهاية مقاله والموجهة إلى الغرب للعمل بها كاستراتيجية على المدى القصير، وعلى المدى الطويل توضح بجلاء تركيز الكاتب على الجانب العسكري، كمخرج وحيد لحماية مصالح الغرب ونشر قيمه وثقافته، ويبدو أن هذا التركيز يأتي متوافقًا مع مصالح أصحاب رؤوس الأموال في بلاد الغرب من الطبقة السياسية والصناعية التي يهمها استمرار الاستثمار في التسلح والصناعات العسكرية وعدم إغلاق مصانع الأسلحة العملاقة في الدول الغربية، وبتعبير شومسكي أيضًا: «كان الانفراج في توترات الحرب الباردة، بالنسبة للصفوة الأمريكية، نعمة تشوبها نقمة، صحيح أن وهن الرادع السوفيتي سهل للولايات المتحدة لجوءها إلى العنف والقسر في العالم الثالث، وأن انهيار المنظومة السوفياتية عبّد الطريق أمام إدخال أوربا الشرقية والوسطى في مناطق يراد لها أن «تكمل اقتصاديات الغرب الصناعية» ، ولكن ثمة مشاكل تنشأ بشأن السيطرة في الداخل على جمهور يتزايد خطره باستمرار، وبشأن الحفاظ على النفوذ في أوساط الحلفاء وهم الآن منافسون حقيقيون في حقل القوة الاقتصادية، كما أنهم سباقون في عملية تكييف العالم الثالث الجديد لخدمة حاجاتهم.. ولهذا كان الافتراض هو أن يكون الاستثمار في مسائل الحاجات الاجتماعية بديلًا ممكنًا لمنظومة «البنتاغون» ، وهذا الخيار وإن كان ممكن الحدوث فنيًا وفق القياسات المجردة للاقتصاديين، إلا أنه خيار يتعارض مع امتيازات المالكين والمديرين، ولهذا فهو مرفوض كخيار سياسي..».

وكخاتمة لهذه القراءة ينبغي التأكيد على ما بدأنا به، وهو أن مفهوم الصراع الحضاري ليس جديدًا في الساحة الفكرية، وأن الصراع موجود فعلا ولكن التركيز عليه في مثل هذه الدراسات يمنح كثيرين من الذين قد تأثروا بالطروحات التي تنادي بالحضارة العالمية وبامتزاج الحضارات، الفرصة لإعادة النظر والتفكير في مواقعهم الحالية، فإن الحالة في وقت الصراع الحضاري هي أن تقف هنا أو تقف هناك وليس هناك موقف في الوسط...

الحضارة الظالمة

شعر: عبد الرزاق بن حمود الزهراني

والبرايا مزّقتها المحنُ فتنٌ تمضي وتأتي فتنُ

ماتت الروح وتاه البدنُ وحديث الإفك ما أعظمهُ!

يدّعون الصدق!! ما أكذبهم و (حماةُ الحق) ما أعجبهم

ويوارون به أدمعَهم! يقتلون الطهر في مضجعه

جثث القتلى من الظلم ركامْ يدعون العدل ما بين الأنامْ

أشرق الصبح تنادوا للسلام!! يدعمون الظلم بالليل وإنْ

نبتُهُ شوكٌ.. ونارٌ.. وحرابْ هامت الأرواحُ في وادي العذاب

من بنى منزلَه تحت الترابْ!! وسعيد الحظ في عالمهم

يا حضارات العنا والنّصبِ يا حضارات الريا والكذبِ

عجبي من ظلمها واعجبي..!! يُقْتَلُ الأحرارُ فيها غيلةً

وحمانا للبرايا مستباحْ إيه يا قنديلُ أضنتك الرياحْ

ماجت الأرضُ صياحًا.. ونباحْ!! وإذا هم بقولٍ منصفٌ

شرّه منتشرٌ... لا يُتقى أنجب التاريخُ عصرًا أحمقا

وسَما الشيطان فيه وارتقى قُتل الإنسانُ في أحشائه

وأرى الكون ـ وإن ضلّ ـ جميلْ ليس لليأس إلى قلبي سبيلْ

يطلبون العدلَ للظلمِ بديلْ وأرى الناس على أحقادهم

خالق الإنسان من ماءٍ وطينْ أملي في الله رب العالمين

يغمر العالم نورًا ويقينْ.. أن نرى الإسلام في فتح جديد

الفاعلية.. طريق الحضارة

محمد محمد بدري

الإنسان في أي أمة ـ هو أساس الحضارة، وصعود حضارة أو هبوطها دائمًا ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى فاعلية الإنسان، فإذا اتسم سلوك الإنسان ـ في أي أمة ـ بالفاعلية، كان النهوض الحضاري لهذه الأمة.. أما إذا انعدمت فاعلية الإنسان، وتوارى جهده فإن مستقبل هذه الأمة لا يحمل لها إلا التخلف والانحطاط الحضاري.

ولقد كان (الإنسان) في الأمة الإسلامية هو مدار الحركة الحضارية، وتمثل حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام والأجيال الأولى من المسلمين هذه الحقيقة تمثيلًا واضحًا.

وإذن: فقد كان الإنسان حاضرًا ومؤثرًا في بناء الحضارة الإسلامية.. وإلا (فمن الذي دخل في الصراع مع الشرك حتى قضى عليه؟، من الذي نشر الإسلام وما جاء به من الهداية والحق والعدل والخير؟، دماء مَنْ جرت في سبيل إنقاذ الإنسان المسحوق من عبادة العباد وهدايته إلى عبادة الله وحده؟، من الذي ترجم نتاج الحضارات الأخرى، واستخرج منها حضارة مستقلة بصبغة إسلامية؟..

ألم يفعل كل ذلك وغير ذلك (الإنسان) المسلم الذي كرمه الإسلام وأعاد إليه حقيقته الإنسانية في الواقع والحياة بعد أن كان مستلبًا، عبدًا للشركاء والأنداد) (1) .

لقد فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) والأجيال الأولى من المسلمين: أن منهاج الله الذي أنزله على رسوله _صلى الله عليه وسلم-، هو منهاج للحياة البشرية (يتم تحقيقه في حياة البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة، ويبدأ العمل من النقطة التي يكون البشر عندها، حينما يتسلم مقاليدهم، ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة(2 ) ) وليس بطريقة خارقة غامضة الأسباب!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت