فهرس الكتاب

الصفحة 1934 من 2255

ومن هنا: كانت حركة المسلمين الأوائل في سبيل بناء الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية تقوم على أساس أن العمل وحده هو الذي يخط مصير الأمة في واقع الحياة، وأن عرق الأحياء في عمل جماعي مشترك هو الذي يتكفل ببناء حضارة هذه الأمة، وأن وجود الحق في الأمة ـ وحتى الانتساب إليه ـ لا يكفي في التمكين له في الأرض، إلا أن يكون من يحمل هذا الحق (يعمل) من أجل تمكينه ونصرته.

( وانطلاقا من هذه المقدمة الموجزة، نصل إلى تحديد معلم مهم من معالم الأزمة التي تمر بها اليوم عقلية كثير من المسلمين، هذه العقلية التي غدت طافحة بالأفكار النظرية المجردة، ولكنها ما تزال ـ على الرغم من ذلك ـ عاجزة عن وضع هذه الأفكار موضع التنفيذ العملي، أو هي ما تزال مقصرة في تسخير الأفكار بطريقة واقعية، تجعلها على أكبر قدر من الفاعلية.. في حين أن أصول هذه الأفكار نفسها قد نهضت في زمن بأمتنا ـ بل وبالجنس البشري كله ـ نهضة تفوق الخيال) (3) .

إن المسلمين يمتلكون نظرية صحيحة ومنهجًا متكاملًا، منّ الله به عليهم يوم أكمل لهم الدين وأتم عليهم نعمته، ولكنهم في واقع الحياة يعانون من الاستلاب الحضاري وانطفاء الفاعلية.. ولذلك؛ فإنهم يزحفون وراء غبار الركب البشري مع الزاحفين المنقطعين..

إن الأفكار تبقى (ميّتة) حتى لو كانت صادقة وصحيحة حين لا تكون ذات (فاعلية) في إطار زمني محدد، والأشياء تصبح باهتة ومجرد أكداس إذا لم تكن متأتية عن حركة الحضارة ومتسقة مع وظيفتها، والأشخاص يتحولون إلى البداوة وعدم التحضر عند فقدهم للروابط التي تفسر اجتماعهم وعملهم المشترك في سبيل أهدافهم الحضارية.

إن التقدم ـ أو التخلف ـ لا يعتمد على الأفكار الصحيحة فقط، وإنما يعتمد أيضًا على أسلوب الحياة الذي ينتجه أفراد الأمة في سبيل تحقيق أهدافها..

ولكي نوضّح أثر أسلوب الحياة على سلوك أفراد الأمة في سبيل تحقيق أهدافها، نتصور (لو أن أنسانًا سار في البلاد الشرقية الإسلامية، وتنقل في تطوافه من مدينة جاكرتا متجهًا إلى أقصى الغرب حتى بلغ مدينة طنجة، ومر في مسيرته هذه على مختلف البلاد الواقعة على محور: جاكرتا/طنجة، لوجد ظواهر اجتماعية تكاد تسيطر على هذه البلاد جمعيها.

ولو أن هذا الإنسان نفسه ـ بعد رحلته الأولى ـ شرع في رحلة ثانية على محور آخر بادئًا من مدينة واشنطن متجهًا إلى موسكو محاولًا زيارة مختلف البلاد التي تقع على هذا المحور لوجد هنالك أيضًا ظواهر اجتماعية تكاد تسيطر على هذه البلاد جميعها، وتختلف اختلافًا تامًّا عن الظواهر الأولى.

في البلاد الثانية يلاحظ المتأمل ما يلي:

أ- فاعلية هؤلاء الناس وحياتهم المملوءة جدًّا وحرصًا على الوقت وتنظيمه.

ب- الاستفادة من هذا الحرص وهذا التنظيم لتكون محصلة العمل الذي يتم أكبر محصلة ممكنة.

ج- ظاهرة التخصص لدى أفراد المجتمع واضحة بالغة حدًّا كبيرًا من الدقة، وفرة الإنتاج لدى هؤلاء وفرة تزيد عن حاجاتهم أضعافًا كثيرة، وشبيه بهذا المجتمع مجتمع النحل بما فيه من فعالية وتخصص ووفرة في الإنتاج عظيمة.

يقابل هذه الظواهر في المجتمع الأول ما يلي:

1-فعالية تكاد تكون منعدمة، ونظرة إلى الوقت على أنه لا قيمة له.

2-نشاط متجه إلى اللغو والحديث الغير منتج.

3-وبعد هذا كله: فالتخصص مفقود، والجهود مبعثرة.

4-والإنتاج أضأل من حاجات المجتمع، ولذلك: كان هذا المجتمع عالة على المجتمع الثاني في حاجاته الحيوية.

من أجل ما سبق: سمي المجتمع الأول متخلفًا، والثاني حضاريًّا، ولقد امتن أفراد المجتمع الثاني على أفراد المجتمع الأول فرأوا أن يعدلوا عن تسميته متخلفًا إلى تسميته مجتمعًا آخذًا في النمو (5) ، ولكن نواياهم الحقيقية مكان ارتياب كبير.

ومن أجل ما سبق: فرض المجتمع الثاني على الأول سبقه وتقدمه، وبالتالي: وصايته وسيطرته، كما فرض عليه ضرورة الاقتداء به وإسراع السير للحاق به) (6) .

إن الإنسان الذي يعيش على محور جاكرتا / طنجة، يواجه المشكلات نفسها التي يواجهها الإنسان على محور واشنطن/موسكو.. فهو يكدح من أجل قوت أبنائه، ويناضل في سبيل بناء أمته، ويعمل بصورة ما لتدعيم حضارتها.. فما الذي جعل مجتمعات الإنسان الأول تصنف على أنها مجتمعات متخلفة، ومجتمعات الإنسان الثاني تصنف على أنها مجتمعات متقدمة؟.

لا شك أنها (الفاعلية) في المجتمع الثاني التي دفعت به إلى التقدم، وغياب هذه الفاعلية في المجتمع الأول هو الذي جعل منه مجتمعا متخلفًا، (فعلى محور(واشنطن/موسكو) توجد ديناميكية خاصة تختلف عن ديناميكية محور (طنجة/جاكرتا) ، والفرق منحصر في أن الثرثرة تكثر كلما قل النشاط والحركة، إذ حيثما يسود الكلام تَبْطُؤ الحركة.. وميزانية التاريخ ليست رصيدًا من الكلام، بل كتل من النشاط المادي، ومن الأفكار التي لها كثافة الواقع ووزنه) (7) ولذلك: كانت المجتمعات التي لا تمتلك إلا رصيد (الكلام (هي المجتمعات المتخلفة، وكانت المجتمعات التي تمتلك رصيد(العمل) والنشاط هي المجتمعات المتقدمة.

إنه قد يكون من الأولى للمشتغلين بعملية بعث الأمة الإسلامية وإحيائها من مواتها من الإسلاميين الذين يكتبون ويحاضرون ويتحدثون عن عظمة الإسلام ـ الأمر الذي أصبح يقينًا عند معظم المسلمين اليوم ـ أن يتفقوا ـ ولو مرة واحدة ـ للقيام بعمل حقيقي يبدأ من الإجابة على السؤال الحيوي: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا لم يُحدث الإسلام هذا الدين العظيم التفاعل والتغيير المطلوبَيْن في واقع الأمة الإسلامية اليوم؟.

إن الإجابة المحددة عن مثل هذه الأسئلة هي التي تسهم في تغيير واقع الأمة، وتحقق لها النقلة النوعية نحو التقدم والحضارة.

لقد زعمت القيادات العلمانية في بلاد الإسلام أن الكثافة البشرية للمجتمعات الإسلامية هي السبب الأول في تخلفها.. فهل هذا هو السبب الحقيقي؟.

( والشاهد من هذا كله: أننا ـ نحن المسلمين ـ لم نتعامل إلى الآن مع قضية الكثافة البشرية من منطلق حضاري واقعي، صحيح أن هناك معاناة شديدة في بعض بلدان العالم الإسلامي، ولكن سبب هذه المعاناة ليس في عدد السكان بقدر ما هو في الإدارة الفاسدة السيئة التي تشرف على إدارة الموارد(8 ) ) .

( إن الأرض الإسلامية من المحيط إلى المحيط هي ـ بقدر من الله ـ أغني بقعة في الأرض وأكثرها خيرات، وقد كانت ـ وماتزال حتى هذه اللحظة ـ لم تستثمر الاستثمار الكامل، الذي يستغل كل مواردها وكل طاقاتها) (9) ؛ ولذلك: فإن أهل تلك الأرض الإسلامية ـ رغم بترولها، ومعادنها، ومواردها المائية، وقوّتها البشرية ـ هم أفقر أهل الأرض جميعهم وأكثرهم مشكلات!.

إن السبب وراء فقر الأرض الإسلامية وكثرة مشكلاتها ليس قلة مواردها، وإنما (هو التقاعس، والتواكل، والضعف العلمي، ووهن العزائم، والانصراف عن عمارة الأرض، والرضى بالفقر على أنه قدر من الله لا ينبغي السعي إلى تغييره خوفًا من الوقوع في خطيئة التمرد على قدر الله) (10) .

(إنه ليس من الضروري(ولا من الممكن) أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض، وإنما ينهض بالرصيد الذي وضعه الله بين يديه: الإنسان، والتراب، والوقت) (11) .

ولذلك: فإن الجهد الأكبر لا بد أن يوجه لصناعة الرجال الذين يتحركون في الواقع، مستخدمين التراب والوقت والمواهب من أجل بناء نهضة الأمة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت