إذن: لابد من التفكير في أمور ثلاثة: في بناء الإنسان بناءً كاملًا، ويعتني في الوقت ذاته بالتراب، والزمن.. (فإذا فُعِل ذلك، فإنه حينئذ قد كُوّن المجتمع الأفضل، وكوّنت الحضارة التي هي الإطار الذي تتم فيه للفرد سعادته، وللأمة تقدمها) (12) .
وإذن: فإن الخطوة الأولى على طريق الحضارة هي التفكير في الإنسان الذي لم يتحضر بعد، ومحاولة توفير الشروط التي تحقق له ما ينبغي من الفاعلية التي تؤهله لحمل رسالته وبناء حضارة أمته (فحاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد.. الإنسان المتحضر.. الإنسان الذي يعود إلى التاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الجهاز الدقيق الذي يسمي(الإنسان) لا تتم بمجرد إضافة جديدة إلى معلوماته القديمة؛ لأنه سيبقى هو قديمًا في عاداته الفكرية، وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية، وفي فعاليته إزاءها، وعلى الأخص في (لا فعاليته ) ) (13) التي يدركها كل من ينظر نظرةً فاحصةً إلى واقع الأمة الإسلامية، مقارنة بغيرها من الأمم...
ولكي نوضح ما نقصده بقولنا: إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد.. الإنسان الفعال.. وأنه لابد من توفير الشروط التي تحقق له ما ينبغي من الفاعلية: ننظر إلى واقع بلد مثل (اليابان) .. ذلك البلد الذي يعيش في منطقة فقيرة في المواد الخام كالبترول والمعادن، كما أنها ليست استراتيجية من ناحية الوضع الجغرافي، ولكنه في ظل هذه الظروف الصعبة يتقدم يومًا بعد يوم، بل ويغزو إنتاجه العالم الغربي..
( لقد كانت مصر واليابان ذات يوم متأخرتين على مستوى واحد أو متقارب، ودخلتا الخضم في وقت واحد أو متقارب.. فمضت اليابان في الشوط حتى سبقت السابقين الذين تتلمذت عليهم من أهل الغرب، وتعثرت مصر في خطواتها، وتخاذلت، وانتكست عدة مرات.. لماذا؟!.
أحست اليابان بالحاجة إلى النهوض وهي محتفظة بذاتيتها، فأعطت من نفسها العزيمة المطلوبة، وبذلت الجهد المطلوب، وأحست مصر بالحاجة إلى النهوض وهي مسلوبة الشخصية، فلا شخصيتها الإسلامية كانت حية تدفعها إلى العمل، ولا اكتسبت ـ وهي في موضع التقليد ـ ذاتية مستقلة، لأن التقليد يقتل الذاتية ولا ينميها، ومن ثم: ظلت في مكانها، أو تحركت خطوات متخاذلة متعثرة، لا توصّل إلى شيء ذي بال) (14) .
إن اليابان بدأ الطريق إلى التقدم ببناء الإنسان المتحضر والمجتمع المتحضر، ودرس الحضارة الغربية بالنسبة لحاجاته، وليس بالنسبة لشهواته، (فالفارق العظيم بين الصلة التي ربطها اليابان بالحضارة الغربية وبين صلتنا بها: أن اليابان وقف من الحضارة موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون!!، إنه استورد منها الأفكار بوجه ونحن استوردنا منها الأشياء بوجه خاص) (15) .
والأمة الإسلامية إذا أرادت التقدم، وأحست بضرورة أن تدخل السباق الحضاري، فإنه لا سبيل لها إلى ذلك إلا أن تقف هذا الموقف المتوازن، فتدعو إلى الاستفادة مما عند الغرب من تقدم مادي وعلمي وحضاري، وفي الوقت ذاته تَحْذَر من الذوبان في شخصية الغرب.
(وبمثل هذه الروح يمكن للعالم الإسلامي أن يحل مشاكله، فحين يسترد ذاتيته المفقودة سيكون أقدر على الاستفادة من تقدم الآخرين المادي والعلمي، أضعاف أضعاف ما يستفيده اليوم وهو في موضع التقليد كالعبيد.. وعندئذ يتقدم، ويتغلب على(التخلف) الذي يرى البعض أنه العقدة التي لا تحل) (16) .
إن الأمة الإسلامية قادرة على أن تنهض من تخلفها وعجزها وهوانها وواقعها الراهن، كما نهضت اليابان من تحت أنقاض هزائمها وكوارثها ودمارها المادي والمعنوي، لتصبح رغم ضيق مساحتها، وحرمانها من الثروات الطبيعية الضرورية.. تصبح الدولة الثانية في العالم بمقياس التقدم الصناعي والتجاري.
ما الذي ينقصنا عن الشعب الياباني الذي لم يكن يملك غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية إلا مدنًا خربة، وصناعةً مدمرة، فشق طريقه بعزيمة صادقة، وإرادة صارمة ووسائل مكافئة للحاجة والأهداف، حتى غزت صناعته أسواق العالم.. وأصبح الغرب يبحث عن سبيل اللحاق بهذا الشعب.
وكذلك الشعب الألماني، صاحب أقوى دولة أوربية اقتصاديًّا.. كيف خرج من الحرب العالمية الثانية؟.
لقد خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية وهي تحمل ذكرى عشرة ملايين قتيل، ولا تمتلك إلا أنقاض حضارة سادت ثم بادت، ولكنها بالعمل الجدي البصير المستمر تغلبت على مشاكلها، وتقدمت، واستعادت كل قوتها وأكثر، وأصبحت في سنوات معدودات أهم دولة في أوروبا، وواحدة من أهم دول العالم في الصناعة والتجارة والاقتصاد والتقدم العلمي، وأيضًا في دورها وأثرها في حركة المجتمع البشري!.
( إن سر تقدم الأمم يكمن دائمًا في القدرة على تسخير القوى المتاحة، وإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تنهض وتتقدم، فليس أمامها من سبيل إلا أن تتصرف في حدود ما تملك فعلًا، لا أن تحلم بما هو خارج عن أيديها، لأن مثل هذه الأحلام لا تثمر في النهاية إلا الحسرة والندامة.
وحين تتصرف الأمة الإسلامية فيما تملك وفق السنن، التي فطر الله عليها أمور الخلق فإنها بهذا تستثمر الطاقات المتاحة على أحسن وجه) (17) .
(إن وطنًا متخلفًا لابد له ـ إذا أراد التقدم ـ أن يستثمر سائر ما فيه من طاقات، يستثمر كافة عقوله وسواعده ودقائقه، وكل شبر من ترابه، فتلك هي العجلة الضخمة التي يجب دفعها لإنشاء حركة اجتماعية(18 ) ) وبالتالي: حركة حضارية في ذلك الوطن.
إن المتأمل للنماذج التنموية في الأمة الإسلامية، يجد أن الأنظمة العلمانية القائمة عليها تركز على عنصر رأس المال، بل وتزعم أنه العنصر الوحيد القادر على تحقيق التنمية في دول العالم الإسلامي، وأنه لا سبيل لهذه الدول للخروج من التخلف إلا باستيراد التقنية!!.
ولا شك أن هذه الطريقة في بناء التقدم لاتقيم تقدمًا حضاريًّا، ولكنها تعطي مظهرًا مزيّفًا من التمدين عندما يقيم المخدوعون بهذا الزيف المصانع العملاقة، ثم يستوردون لها كل المعدات من الغرب، بل ويستوردون كوادر العمل في هذه المصانع.
ومن هنا: فإن هذه المصانع والمشروعات التنموية ـ رغم الحجم الكبير للإنفاق فيها ـ لا يكون لها أدنى أثر في تقدم الأمة الحضاري، وما ذلك إلا لأن (الإنسان) في كل هذه المشروعات كان غائبًا.
إن التنمية الناجحة تعتمد أساسًا على تحول (الإنسان) ، ولذلك فلا بد أن يتحول اهتمامنا بالتكنولوجيا ورأس المال إلى(الإنسان (.. كيف نعيد تشكيل عقله وفق المنهج الإسلامي؟ وكيف نعيد إليه الفاعلية التي يمنحه إياها ذلك المنهج؟ وكيف نحرره من روح الاتكالية، وندفعه إلى التطلع إلى التقدم؟.
فإذا استطعنا الإجابة على هذه الأسئلة، فقد وضعنا أقدامنا على أول الطريق للتقدم والخروج بالأمة من مرحلة (القصعة المستباحة) إلى التمكين والريادة.
إن الطريق إلى التقدم والحضارة والريادة، يقضي ببتر كل علاقات التبعية للغرب مهما كان نوعها، وتقبل سائر الصعوبات التي تواجه الإنسان عندما يرشد ويتحمل كامل مسؤولياته.. ولذلك: فإننا إن كنا صادقين في محاولتنا لإخراج أمتنا من التخلف إلى التقدم، فلا بد لنا من التحرك في هذا الطريق ـ وإن كان وعرًا وصعبًا، لنعزم العزمة ونمضي في هذا الطريق، وليعقد كل منا العزم على أن يقلل شيئًا من تخلف هذه الأمة التي يعيش فيها.. فإذا فعلنا ذلك: فإننا قادرون ـ إن شاء الله ـ على أن نلحق بمن سبقونا، بل وربما نتجاوزهم.
وبكلمة موجزة أقول: