هذا (( الجهل المطبق ) )بالإنسان الذى يتحدث عنه الدكتور (( ألكسيس كاريل ) )، في منتصف القرن العشرين، لابد أنه كان أعمق وأشمل فيما قبل هذا القرن، وقبل أن تبذل تلك الجهود الضخمة في محاولة المعرفة، وقبل أن يتجه البحث إلى (( الإنسان ) )وإلى علوم الإنسان0
وهذا الجهل المطبق بالإنسان، الذى ستبقى جوانب منه مهما بذل من الجهد ومهما تعددت حقول البحث ودرجاته، نظرًا للصعوبات الذاتية الكامنة في تعقد موضوع الحياة من جهة، وفى طبيعة عقولنا من جهة أخرى00
هذا الجهل كان وما يزال يقتضى أن يظل الإنسان لا صقًا بالله- سبحانه- قريبًا منه، ملتجئًا إليه، مهتديًا بمنهجه الذى يضعه له عن علم وحكمة0 وألا يغتر بفتوحات العقل والعلم في عالم المادة، ولا بمهارته في الإبداع المادى مهما بلغت قدرته، ومهما فهم أنه أتى بالخوراق في هذه المجال- فيدفعه هذا الغرور إلى تطبيق محاولاته في عالم المادة على عالم الحياة0 وبخاصة حياة الإنسان0 وألا يفتنه هذا الغرور أيضًا، فيجعله يحاول أن يضع لحياته مناهج مستقلة عن منهج الله0 بله أن تكون معادية له، شاردة عنه0
ولكن الذى وقع في أوروبا أولًا، ثم عمت بلوته الأرض كلها فيما بعد، كان على الضد من هذا كله، ومن ثم كان التخبط، وكانت الشقوة، وكان خط الدمار الذى تنحدر فيه البشرية إلى الهاوية في هذا الزمان، وكانت هذه الأزمة الحادة التى يواجهها (( وجود ) )الإنسان0
إن هذا الإخلاص العلمى الذى يدفع رجلًا كالدكتور كاريل في منتصف القرن العشرين أن يقول: (( وواقع الأمر أن جهلنا مطبق ) )00 لم يكن له مجال في الاندفاعة العاتية التى اندفعتها أوروبا في الشرود عن كل توجيه دينى0 ذلك أن ملابسات نكدة وقعت بين الكنيسة هناك والعلماء، جعلت الناس يشردون من ظل الكنيسة- ومن كل ظل للدين شرودًا لا عقل فيه ولا وعى، ولا مجال لتحكيم العقل والوعى، ولا لسماع أية كلمة مخلصة للتفرقة بين الدين في ذاته والكنيسة أولًا، ثم بين قدرة الإنسان عن العمل في عالم المادة وعجزة عن العمل في منهج حياة الإنسان أخيرًا0
وكان لهذا الشرود أسبابه المفهومة في أوروبا00 وإليك عنصرًا واحدًا من عناصره:
كانت مناهج البحث العلمى قد نشأت- في ظل الإسلام- في جامعات الأندلس والشرق كما يقول دوهرنج وبريفولت- وكانت أوروبا في القرن الخامس عشر تنهل من هذه الجامعات، وتعرف لأول مرة في تاريخها شيئًا عن هذا المناهج، وشيئًا عن المذهب التجريبى (الذى عرف به فيما بعد روجر بيكون وفرنسيس بيكون) والأول يعترف اعترافًا صريحًا بأنه اقتبس من (( العالم ) )الإسلامى0
وفى هذا يقول دوهرنج:
(( إن آراء روجر بيكون في العلوم أصدق وأوضح من آراء سميه المشهور(فرنسيس بيكون ) ))00 ومن أين استقى روجر بيكون ما حصله في العلوم؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس0 والقسم الخامس من كتابه: (Opus majus ) (الذى خصصه للبحث في البصريات، هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب المناظر لابن الهيثم، وكتاب بيكون في جملته شاهد ناطق على تأثره بابن حزم0
ويقول بريفولت في كتابه: (( بناء الإنسانية ) )(( Making of Humanity:
(( إن روجر بيكون درس اللغة العربية، والعلم العربى، والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد، على خلفاء معلمية العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميه الذى جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبى0 فلم يكن روجر بيكون إلا رسولًا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية0 وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب، هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة0 والمناقشات التى دارت حول واضعى المنهج التجريبى، هى طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوروبية، وقد كان منهج العرب التجريبى في عصر بيكون قد انتشر انتشارًا واسعًا، وانكب الناس، في لهف، على تحصيله في ربوع أوروبا(ص 202)
(( لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث0 ولكن ثماره كانت بطيئة النضج00 إن العبقرية التى ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضى وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام0 ولم يكن العلم وحده هو الذى أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية(ص 202)
(( إنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحى الازدهار الأوروبى إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون، في نشأة تلك الطاقة التى تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفى المصدر القوى لازدهاره0 أى في العلوم الطبيعية، وفى روح البحث العلمى(ص 190) 0
(( إن ما يدين به علمنا للعرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين لها بوجوده نفسه0 فالعالم القديم- كما رأينا- لم يكن للعلم فيه وجود0 وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علومًا أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم، وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام، فتمتزج امتزاجًا كليًا بالثقافة اليونانية0 وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات0 ولكن أساليب البحث في دأب وأناة وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبى، كل ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليونانى0 ولم يقارب البحث العلمى نشأته في العالم القديم إلا في الإسكندرية في عهدنا الهلينى0 أما ما ندعوه (( العلم ) )فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، بطرق التجربة والمقاييس وتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان0 وهذه الروح وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوروبى (ص 109 ) ) )0
وعندما انتقل المنهج الإسلامى الواقعى التجريبى إلى العقلية الأوروبية، اتجه الفكر الغربى إلى البحوث العلمية التجريبية0 وبدأ البحث العلمى يكشف حقائق فلكية وجغرافية وطبيعية، غير تلك المجموعة من الأوهام والأساطير والخرافات التى تتبناها الكنيسة وتعتبرها (( حقائق مقدسة ) )وهى ليست من النصرانية في شئ، إنما هى مجرد أفكار- غير علمية- كانت شائعة في تلك الأزمان- ولم يتنزل بها كتاب من عند الله- فتبنتها الكنيسة، ودافعت عنها بوصفها جزاءًا من (( العقيدة ) )0
ولقد وقفت الكنيسة وقفة عنيدة في وجه هذا الاتجاه الجديد المنبثق من منبع الثقافة الإسلامية في الأندلس وفى الشرق كذلك0 وقابلت نتائج بحوث الطليعة من العلماء الأوروبيين الذين استقوا من ذلك النبع، بجفوة وعداء شديدين، واستخدمت سلطانها ضدهم بوحشية كان من جرائرها ذلك الشرود من الكنيسة، إلهها الذى تستطيل باسمه زورًا وبهتانًا، ومن كل ظل للدين وللتوجيه الدينى0 فقد كان كل اعتراف أو خضوع للدين معناه الاعتراف والخضوع لهذا الطغيان الكنسى الغشوم0
وعندئذ كان ذلك الفصام النكد بين الدين والعلم حتى مطلع القرن العشرين في أوروبا، وظل اندفاع الناس- والعلماء خاصة- في شرودهم الآبق عن الدين كله (( كأنهم حمر مستنفرة0 فرت من قسورة ) )00 ولم يهدأ هذا الشرود- شيئًا ما- إلا في مطلع القرن العشرين0 حيث جعل بعضهم يقف ليلتقط أنفاسه اللاهثة، وهو يحس بالخواء الروحى من آثار الرحلة الجاهدة، في التيه المقفز، نحو أربعة قرون00