والعامل المهم الآخر أن وكلاء الثقافة الغربية في بلاد العالم الإسلامي كانوا من اليساريين وأشباههم وهم يميلون إلى أمثالهم هناك ، فلهذا لا ينقلون إلا ما تميل إليه مدارسهم وانتماءتهم الغربية أو ولاءاتهم ، ويضربون صفحًا عن النقد الموجه لليسار أو للتيارات الإلحادية هناك ، حتى لتجد أن الثقافة الغربية المعروفة لدى جماهيرنا هي الثقافة الإلحادية الغربية فقط ، ولا ينقلون لنا ماهية الحياة الثقافية كما هي ، وبالإمكان إجراء مقارنة سريعة بين كاتب فرنسي ملحد اسمه سارتر؛ وبين زعيم ديني ألماني اسمه مارتن لوثر. الأول نشر وجودية كيركجار مع تعديلات إلحادية مهمة وطورها، والآخر كان زعيم حركة الإصلاح الديني. ولوثر الذي كان وراء حركة البروتستانتية وإنشائها - مع غيره - والتي كونت أكبر ديانة في العالم الغربي وبها تدين أمريكا والشمال الأوربي وكانت سببًا مهمًا في التكوين الديني والاقتصادي في شمال أوربا وأمريكا - على الأقل كما يرى ماكس فيير - مقارنة ما نشر عنه في اللغة العربية مع ما نشر عن سارتر لا تقارن بأي حال. فهذا سارتر صار له عندنا أتباع كثيرون وكتاب يستميتون في الدفاع عنه - كأنيس منصور - وكان للوجودية شيخ عربي - عبد الرحمن بدوي - كما لقب بعد نشر كتابه إثر الاحتفالات بقدوم سارتر لمصر. قد يكون ذلك لسهولة الإلحاد على البعض عندنا ولأن فكرهم وجد دعمًا إعلاميًا قويًا وحكوميًا أيضًا. ومارتن لوثر لم يجد في البلاد العربية ما وجده الملحدون. ذلك لأن الحديث عن الإصلاح الديني والبروتستانتية الأوربية قد يجر إلى الاهتمام الديني في الإسلام وذلك ما لا يتفق مع التوجهات الجارية منذ ذاك إلى اليوم ، إذ المطلوب من الفكر في العالم الإسلامي والعربي أن يحارب الدين ويتنكر لدوره الأول في نجاح الحياة وعزة الشعوب واستقلاليتها، وبما أن الدين هو الروح المحركة والدافعة للعزة والكرامة والإخلاص فلا بد من إقناع شعوبنا المسلمة بعدم أهمية ذلك، لأنه لا يراد بها إلا الدمار والانهيار عندما تبعد عن الدين، حتى وصل الأمر بنا أن جامعاتنا التي تدرس التاريخ الأوربي لا تقف عند الأثر الروحي والأخلاقي الذي تبثه الكنيسة البروتستانتية، فالكتب المترجمة أو التي تدرس عندنا عن فكرهم وحياتهم هي كتب منتقاة إلحادية المشرب. وأيضًا فعند الذين تعاملوا مع الثقافة الغربية في زماننا عقدة من الدين وحاجز لا يكاد ينفتح، إما لمشكلة في شبابهم مع الدين الرسمي وممثليه؛ وإما لجهلهم به جهلًا مانعًا من إدراكه، وإما للانحرافات التي تغطي على روح الإسلام فلا تنفذ لقلوبهم ، لذا تجدهم في عماية وكراهية أحيانًا من ذكره وإن تعاملوا معه كانوا مكرهين يائسين مدفوعين إلى مشكلة يحبون الخلاص منها بأسرع وسيلة. غير أن الواقع الآن يدل على أنهم غادروا هذا الوهم وبدأت ملامح إقبال كبير على الاهتمام بهذا الجانب الإيماني لم تكن بارزة من قبل (3) .
والذي يهم معرفته في طبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي أن جوانب أساسية من الفكر الغربي والسلوك الغربي نفسه هي جوانب يحرِّم الغرب تصديرها، ويقف موقفًا شرسًا ممن يفكر في تصدير هذه الجوانب وتعليمها للناس ، ومنها الاهتمام بالدين ونشره ووعيه ، فيسمح بالتجمعات الدينية هناك ولا يسمح بها الغرب في العالم الإسلامي ، لأنها قد تقلب الموازين الفكرية المطلوبة، ومنها اللغة إذ يحرم الغرب بشراسة سيادة اللغة العربية والتعليم العلمي بها، ويحارب الوعي السياسي والحريات السياسية والديمقراطية في المستعمرات، كما يحارب الصناعات الأساسية والعسكرية، ويحارب الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي ، ويحارب كل وسيلة يمكن أن تسمح باستقرار وعي صحيح بحقائق العالم المعاصر وأفكاره.
ولم يعد غريبًا اليوم أن نجد أنفسنا عاجزين عن فهم الآخرين ، لأننا أعطينا جانب واحد فقط وبقيت الصورة مشوهة وغير مدركة. ولذا فحلولنا جزئية مبتسرة لا تنطلق من إدراك واع للذات ولا إدراك واع للآخرين. حتى عند من يزعمون ذلك أو يقومون بدور الوكيل لنشر الأفكار الغربية.
الحضارة الغربية اليوم حضارة فيها جانب الدين مؤسس وقائم بدور رئيس في صياغة الحياة والفكر والتماسك في المواقف السياسية تجاهنا وبشكل لا يقاس به ما كتب عنهم في لغاتنا ولا يقاس به الموقف الرسمي في عالمنا الإسلامي.
وعندما نقول حضارة متدينة فهذا مقابل كلمة ملحدة في الكتابات العربية المعاصرة، والتي تعني بالإلحاد ما رأت في روسيا الغابرة. ومصطلح:"العلمانية"المتداول في العالم العربي اليوم ، ليس هو المطابق الصحيح تمامًا مع مفاهيم العلمانية الغربية، إذ ما يسمى بالعلماني الغربي اليوم، عنده قاعدة ولاء وانتماء لجنس ودين في بلده، ويتعامل مع العالم من خلاله لا تجدها في علماني العرب ، إذ يفتقدون هذه القواعد، ويخفون على غير منابرهم كلامًا ليس لهم في جماهير لا تفهمهم ، لذا لا يثمر شيئًا.
الهوامش:
2-المصدر السابق ص 53.
3-لوحظ أن المؤتمر الفلسفي الذي عقدته الجمعية الفلسفية المصرية، كلية دار العلوم ، جامعة القاهرة، 27-29 يونيو 1992، كان عبارة عن تظاهرة إسلامية ولم يحدث ذلك من قبل في جمعية علمانية، منبر الحوار عدد 26 خريف 1992 ، السنة السابعة، ص 146.
صراع الحضارات أم هيمنة الحضارة الغربية؟
بقلم: د.محمد يحيى
اتسع نطاق الجدل في الآونة الأخيرة حول المقولة التي عرفت باسم: (صراع الحضارات) والتي ولدت من خلال دراسة لأستاذ جامعي أمريكي هو (صمويل هنتنجتون) سعى فيها من وجهة نظره إلى تحليل الوضع العالمي تحليلًا استراتيجيًا مستقبليًا على ضوء التغيرات في السنوات الماضية فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية أو الشيوعية، وهي نفس المتغيرات التي ألهمت زميل له هو (فرانيس فوكرياما) بتكوين مقولة حول (نهاية التاريخ) كان لها هي الأخرى نصيب في إثارة الجدل والنقاش. وقد انطلق (هنتنجتون) من واقع زوال القطب الشيوعي في الحضارة الغربية إلى طرح افتراضات حول المسار الذي سوف تأخذه السياسة الدولية مع الدخول في القرن الميلادي الواحد والعشرين، وانتهى إلى أن الحضارة الغربية (التي رأى أنها تشمل الشعوب البيضاء أو ذات الأصل القوقازي، والمسيحية الديانة، والأوروبية الفكر والثقافة) سوف تواجه بخصم عنيد محتمل في المستقبل القريب يطرح تحديه على خلفية حضارية ثقافية تتحرك أمامها التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والعسكرية وهذا الخصم هو بالمقام الأول الحضارة الإسلامية ثم الحضارة الآسيوية الشرقية أو الكتلة البوذية.
وذهب (هنتنجتون) أو مفسروه إلى أن التنافس والصراع سوف يكون طابع العلاقة بين الحضارات المذكورة ليس فقط حول النفوذ السياسي والاقتصادي بل أيضًا حول ـ وبسبب ـ الثقافة والقيم الحضارية والاجتماعية والعقائد الدينية والمذاهب الفكرية.