ويجعلها (متاع الغرور) فإنما يوجه الإنسان إلى أن يبقى هو القائد للأشياء ، والموجه لها ولا يصبح موقعه منها مثل موقع الإنسان المعاصر من التكنولوجيا التي أصبحت تقوده إلى المجهول ، ( كما يوضح رينيه دوبو في كتابه إنسانية الإنسان ) ، وبالتالي تختل النسبة بين الإنسان والفكر والأشياء ويقع الانهيار .
-ومن الغريب الجدير بالذكر أن عوامل ميلاد الحضارة أو بنائها هي كذلك عوامل سقوطها ، فعندما ينحل الإنسان ويفقد الرؤية يتحول هو نفسه ( بالظلم أو بالترف أو بهما ) إلى عامل هدم لنفسه ولمجتمعه وحضارته ، وكذلك تتوارى الفكرة الصائبة وتحل محلها الفكرة النفعية التبريرية ، وفي النهاية تطغى الأشياء وتصبح هي السمة الحضارية الطاغية ، بل ينظر إليها من خلال مظاهر الترف والاستمتاع على أنها هي الحضارة ، بينما هي في هذه المرحلة وبهذا الطغيان السرطان الذي دخل إلى جسم الحضارة .
سقوط الحضارة من منظور إسلامي
دائما تسقط الحضارات من داخلها ، إن الغزو الخارجي إنما يأتي كما تأتي العاصفة ، لا تقتلع إلا الأشجار التي لا جذور لها ، أو التي تمتد جذورها امتدادا هشا ، أو التي تتمتع بجذور قوية لكنها مريضة الجسم ، فينكسر الجسم وقد تبقى الجذور مؤهلة - بعد ذلك - لبناء جسم آخر ، والبروز مرة أخرى .
والقرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة عندما يتحدثان عن سقوط الحضارات يركزان على هذا التداعي الداخلي الذي هو العامل الأول والجوهري في سقوط الحضارات ، إن المهمة التي تقوم بها ( الذنوب ) - أي الفواحش والآثام سواء على مستوى الفرد أو الجماعة - إنما هي تمزيق
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 172)
الانسجام بين خلايا المجتمع .
ولا تكثر الذنوب والآثام والموبقات إلا يوم يختل تصور الأمة وينحرف منهجها ، إن أخطاء الطائعين مقبولة ، وهي تدور في المستوى البشري المعهود والناس على امتداد تاريخهم ليسوا ملائكة ، فتاريخهم تاريخ بشر ، وفعلهم فعل بشري قابل للصواب والخطأ ، ولم توجد جماعة بشرية دون أخطاء والمعادلة التي نحب تأكيدها من خلال التصور القرآني أن كثرة الفواحش والآثام تأتي ( نتيجة ) - أو مرحلة ثانية وسطى - في مراحل السقوط الحضاري ، وهي ليست السبب الأول أو المرحلة المتقدمة ، أما الأخطاء العادية البسيطة فهي حتمية وليست من باب التراكم الذي يؤدي للسقوط .
المرحلة الأولى: فساد الفكر:
ففي البداية يكون فساد الفكر واختلال العلاقة بين الإنسان والناموس الكوني سواء كان الاختلال في علاقته بخالق الكون أم في منهج علاقته بالكون والإنسان وانحرافه عن الحق والكمال والخير .
إن كل التجارب الحضارية تؤكد لنا عبر تطورها أن ثمة درجتين للانحطاط: الأولى درجة الانقلاب النفسي والذهني إلى الأدنى ، الثانية هي درجة الانقلاب العملي والخلقي بناء على الانقلاب الذهني والنفسي المتدني فالتغيير الداخلي ( فكريا ونفسيا ) هو المرحلة الأولى في أي سقوط ، كما أن تغييره إلى الأعلى والأدنى هو المرحلة الأولى في أي
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 173)
تقدم إن فساد الفكر والنفس هو البيئة التي تنمو فيها جراثيم الانحطاط الأخلاقي .
قال الله تعالى عن مرحلة ( الانهيار الفكري ) و ( الظلام العقدي ) : سورة البقرة الآية 6 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ سورة البقرة الآية 7 خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
فهي مرحلة ( انغلاق فكري ) و ( فساد منهج ) ، ولعل الآية الأخرى توضح هذه الحقيقة الحضارية على نمو أكثر مباشرة::
سورة النحل الآية 112 وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ سورة النحل الآية 113 وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ .
وقال تعالى في آية أخرى: سورة الأعراف الآية 96 وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
وفي آية أخرى يوضح الله تعالى مرحلة ( الفكرة ) كمنطلق للحياة على الأرض ، وقيام الحضارة ( على أساس المنهج القويم ) وسقوط أخرى ( على أساس الانحراف الفكري ) : سورة طه الآية 123 قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى سورة طه الآية 124 وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 174)
وقد يأتي الضلال الفكري عن طريق اتباع الطواغيت من الأصنام البشرية أو المذاهب الفكرية المنحرفة أو المترفين:
سورة الأحزاب الآية 67 وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا سورة الأحزاب الآية 68 رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا .
سورة سبأ الآية 34 وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ .
وتقدم لنا السنة النبوية عددا من الآثار التي تتصل بهذه المرحلة الأساسية في سقوط الحضارات ، حيث ينغلق الفكر ، ويختلط الحق بالباطل ، وينتشر الكفر العقلي والانحراف العاطفي ، ويسود الهوى ، وتروج النظريات الفاسدة ويتحزب الناس أحزابا بين أدعياء دجالين ، ويحسب كل منهم أنه على الحق ، وتزين لهم أعمالهم ، وتختلط الأوراق ، وتضيع المعالم الكبرى في المسيرة الحضارية .
ففي حديث أبي هريرة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: صحيح مسلم نشرت في ( كتاب الدعوة ) ، الجزء الأول ، ص ( 63 ) . (2908) . والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل . وفي حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صحيح البخاري من برنامج ( نور على الدرب ) . (121) ,صحيح مسلم من برنامج ( نور على الدرب ) . (65) ,سنن النسائي من برنامج ( نور على الدرب ) . (4131) ,سنن ابن ماجه من برنامج ( نور على الدرب ) . (3942) ,مسند أحمد بن حنبل (4/358) ,سنن الدارمي من برنامج ( نور على الدرب ) . (1921) . لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .
والكفر هنا كفر فكري أي ضلال وانحراف ، وقد يظن صاحبه معه أنه مسلم ، أو أنه على الحق ، مع أنه يرتكب الكبائر ، وينتهك أساسيات الإسلام ولربما يفعل ذلك باسم الإسلام!!
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 175)