3 -تقديم تفسير لعلاقة الإنسان بخالق الكون ، وواجبات الإنسان نحو خالقه وكيف يحقق عبوديته له ، ويمثل جانب ( العبادات ) والشروط المطلوب توافرها في (المعاملات ) وتوجيه (المعاملات ) - أي التعاملات الدنيوية - إلى حيث يرضى الله ويحب يمثل هذان الجانبان أبرز الوسائل لأداء الإنسان واجبه نحو الله سبحانه وتعالى .
إن قيمة ( الفكرة ) في المصادر الإسلامية الأصلية لا نستطيع التعبير عنه - بتفصيل - في هذا البيان الوجيز ، فهو مما يحتاج إلى بحث خاص ، لكننا نقول: إن مرحلة الفكرة هذه عنصر أساسي في مرحلة الحضارة ، والأفكار المطروحة قادرة على القفز بالأمم من كل مراحل السقوط ، وعندما تسقط الحضارة في ذروة من التاريخ ، وتكون الأفكار سليمة وموجودة على النمو الذي تتكفل به المصادر الإسلامية فإن إمكانية إقلاع الأمة من جديد يكون أمرا ميسورا . مهما كانت ضآلة الأشياء التي تملكها ، ومهما كانت خسائرها - إبان مرحلة السقوط - في عالم الأشياء ، فالأفكار تبقى هي الرصيد المخزون للأمة عندما تفقد الأشياء لقد كانت الفكرة الإسلامية هي التي أطلقت قطار الحضارة الإسلامية ، وضمنت له الاضطراد في التاريخ ، وكان الإنسان المسلم المعبأ بهذه الفكرة عن يقين جازم ، والذي يحس بأنه مبتعث بها في التاريخ ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله - كما قال ربعي بن عامر في وجه رستم - كانت الفكرة وكان إنسانها هما اللذان أنجزا ميلاد الحضارة الإسلامية (( ولقد واصل المجتمع المسلم بالفكرة تطوره ، وأكمل سبكه روابطه الداخلية بقدر امتداد إشعاع هذه الفكرة في العالم ) )انظر بتصرف مالك بن نبي شروط النهضة 68 طبع بيروت .
4 -ولقد مرت بالأمة الإسلامية هزائم كثيرة وتعرضت لصنوف من الاحتلال التتري والصليبي والاستعماري لكنها استطاعت تجاوز المحنة بفضل الله ثم بفضل الفكر الذي كان يقودها ، ومن هنا تبدو خطورة ( غزو الأفكار ) - بواسطة التنصير والشيوعية واليهود - في العالم الإسلامي ، وهو ما عمد إليه الاستعمار بعد أن أدرك عدم جدوى الغزوات العسكرية التي لم يكسب منها شيئا إلا ما تعلمه في جامعات المسلمين ومدارسهم ، وهو يغزوهم أو يحاربهم ، ورجع به إلى بلاده ، فالأفكار هي الرصيد الصحيح الذي تلجأ إليه الأمم ، وهي الوقود المخزون في الباطن والأعماق إذا انتهت البضائع من أسواق ( الأشياء ) في مراحل الاستهلاك أو الاستنزاف الحضاري !!
3 -الأشياء وقيمتها الحضارية:
إن قيمة الأرض في الإبداع الحضاري قيمة لا تنكر ، فهي مناط
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 168)
الزراعة ، وهي مناط الرعي ، وهي - بدرجة ما - مرتبطة بالتصنيع . وبقدر ما يستطيع الإنسان استغلال الأرض الاستغلال الأمثل ، وتطوير عطائها وتوجيهه بقدر ما يستطيع إبداع حضارة إنسانية موجهة .
-وأمامنا أمثلة حية في عصرنا ، حيث تقهر الحضارة في ميلادها وفي دورتنا الحالية في التاريخ بتأثير القهر الاستعماري الأمريكي الذي يفرض على السودان وعلى مصر وغيرهما عدم زراعة القمح بصورة تكفيهما أو تكفي للتصدير ، وتبقى الأرض في بلاد كثيرة في العالم الإسلامي في مرحلة بدائية الاستغلال بينما يزرع الياباني الأراضي التي فوق الجبال ، وبينما يزرع الشخص الأمريكي وحده ألف هكتار ، بينما هذا . . . تحرم الأمم المستعمرة ( وإن حملت اسم الاستقلال ) من تطوير زراعتها ، ويستأجر الاستعمار رجالا يضمنون الحفاظ على تخلفها ، ويضمنون أيضا إجهاض الفكر وإنهاك الإنسان .
لقد حث الله تعالى وجاءت السنة بمئات الآيات والأحاديث التي تحث على ( العمل ) وعلى استغلال الأرض ، وعلى الصيد والزراعة والصناعة والتجارة .
سورة المائدة الآية 2 وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا .
سورة النحل الآية 5 وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ .
سورة النازعات الآية 31 أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا .
سورة يس الآية 80 الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 169)
سورة الحديد الآية 25 وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ .
سورة النحل الآية 14 وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا .
سورة هود الآية 37 وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا .
سورة هود الآية 41 ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا .
سورة القمر الآية 13 وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ سورة القمر الآية 14 تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ .
سورة النحل الآية 81 وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ .
سورة النحل الآية 80 وَمِنْ أَصْوَافِهَا ( أي أصواف الأنعام ) سورة النحل الآية 80 وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ .
سورة الغاشية الآية 16 وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ .
سورة الحج الآية 23 وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا ( أي في الجنة ) سورة الحج الآية 23 حَرِيرٌ .
سورة الإنسان الآية 15 وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا .
سورة النحل الآية 81 وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ .
سورة الإنسان الآية 13 مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 170)
سورة آل عمران الآية 49 أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ .
سورة الرحمن الآية 10 وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ سورة الرحمن الآية 11 فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ الرحمن 10 واقرأ الآيات التالية لها .
سورة لقمان الآية 20 أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً .
سورة الحجر الآية 19 وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ سورة الحجر الآية 20 وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ .
سورة الأعلى الآية 4 وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى سورة الأعلى الآية 5 فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى .
سورة النازعات الآية 30 وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا سورة النازعات الآية 31 أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا .
سورة النحل الآية 10 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ .
ولعل حديث الرسول الكريم مسند أحمد بن حنبل (3/184) . إن قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها من أقوى الأدلة على احترام الإسلام لاستغلال الأرض وعالم الأشياء الموجهة للخير والمتناسقة مع حاجات الإنسان وأهدافه من الحياة .
وعندما يزهد الإسلام في الدنيا - في بعض الآيات كما ذكرنا -
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 171)