فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 2255

ومن الغريب أن أحد المفكرين المعروفين أنشأ كتابا أسماه ( التفسير القرآني للتاريخ ) للدكتور راشد البداوي ، نشر دار النهضة العربية القاهرة ط2 / 1976 . ومع ذلك فإنه لم يتكلم في كتابه هذا إلا عن عنصر واحد هو ( الأشياء ) فتحدث - فقط - عن الجوانب المادية من أرض واقتصاد وثروة وعمل ورأسمال وتنظيم وتخطيط وسياسة زراعية وتجارة وادخار واستثمار وموضوعات فرعية تتصل بها ، فإذا علمنا أن هذا المفكر هو الدكتور راشد البداوي ، الذي ترجم ( رأس المال ) لكارل ماركس إلى العربية ، فضلا عن كتب أخرى تدور كلها حول ( الاقتصاد ) ، والمذاهب الاشتراكية ، والقاموس الاقتصادي .

إذا علمنا هذا أدركنا - مع أنا قد نبرئ الرجل من الفكر الاشتراكي العلمي - كم يضيع ( الإنسان ) ويضيع ( الفكر والمعتقد ) وتطغى ( الأشياء ) في الفقه الحضاري حتى لدى مفكرين من أمثال هذا المفكر !!

إن الحديث عن الآيات القرآنية التي تحث على الزراعة أو التجارة أو الصناعة إنما هو حديث في التفصيلات والتطبيقات والثمار

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 163)

الحضارية . لكن عناصر إبداع الحضارة ليست هي هذه ( الماديات ) التي تنشأ تلقائيا وتزدهر في الطور الثاني للحضارة ، حيث تتجاوز الحضارة مرحلة الميلاد والتكون ، وتزيح كل أخطار الميلاد ، وتقف على أقدامها فتية قوية ، وتبدأ في إفراز بعض قوتها من خلال عدد من المجالات الاقتصادية والمادية:

وعند توافر عنصر الانطلاق لأمة من الأمم في طريق التحضر ، حتى ولو كانت الأمة ذات سابقة حضارية فإن عليها أن تهتم بتوفير العناصر الثلاثة الأساسية - محافظة على الترتيب والنسب- حتى تضع قطارها أولا فوق القضبان الصحيحة .

قال الله تعالى في الآية الكريمة: سورة النحل الآية 97 مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ففي الآية يوجد ( الإنسان ) الذي ( يعمل صالحا ) وهو مؤمن ( بالعقيدة والفكرة ) . فمثل هذا الإنسان العامل ( كل عمل صالح مادي أو عقلي أو روحي ) عن إيمان ومنهج وفكر ، وهو الإنسان الذي يستطيع أن يصل إلى الحياة الطينية اللائقة بالإنسان ، ولقد تحدث الله في كتابه المنزل عبر مئات الآيات ، كما تحدثت السنة الشريفة عن تفصيلات العناصر الثلاثة وكيفية الوصول إلى الوضع الصحيح لكل منها .

الإنسان في القرآن:

أما العنصر الأول وهو ( الإنسان ) فقد حظي بكثير من الاهتمام من القرآن ومن سنة الرسول الفعلية ( بخاصة ) حيث عاش الرسول جزءا كبيرا من فترة رسالته يبني هذا الإنسان ، ويصنعه في مكة ، ثم في المدينة ، حتى تكون أفضل جيل عرفته البشرية على الإطلاق .

ويبين الله في كتابه الوظيفة الحضارية المنوطة بالإنسان على الأرض

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 164)

فيقول: سورة البقرة الآية 30 وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . ويقول: سورة النور الآية 55 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . إن هذا الإنسان المخلوق من: سورة الطارق الآية 6 مَاءٍ دَافِقٍ سورة الطارق الآية 7 يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ هو الإنسان الذي كرمه الله واختاره لصناعة الحضارة: سورة الإسراء الآية 70 وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا إنه هو نفسه الذي سجدت له الملائكة: سورة البقرة الآية 34 وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ . وهو الذي تعلم الأسماء كلها: سورة البقرة الآية 31 وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وهو الحر الذي يختار طريقه بإرداته: سورة البلد الآية 10 وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ سورة البقرة الآية 148 وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا .

على أن الإنسان بالرغم من كل هذه المكانة التي أعطاها له الله تعالى ، ومن كل الأسلحة التي زوده بها - لن يستطيع الإسهام الصحيح في فعل إيجابي وخالد إلا إذا حافظ على عبوديته لله والالتزام بمنهجه: سورة التين الآية 4 لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فإذا ارتكس وسار في طريق الانحراف والضلال فإنه يهبط إلى أسفل سافلين: سورة التين الآية 5 ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . ومن هنا نفهم من كتاب الله تعالى أن

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 165)

الحياة الإنسانية تقوم على دعامتين توازن كل منهما الأخرى حتى لا ينحدر الإنسان إلى حضيضها ، وينهك قواه في أشيائها ، فالحياة الدنيا في جانب: سورة العنكبوت الآية 64 وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ .

سورة النساء الآية 77 قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ، سورة الكهف الآية 45 وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ لكن هذه الدنيا في جانب آخر: سورة القصص الآية 77 وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ، سورة النحل الآية 97 فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً . والحقيقة أن كلا من الجانبين يقوم بمثابة الروح التي تبعث الحياة في الجانب الآخر ، فكل منهما عندما ينفصل عن الآخر ويصبح بمعزل عنه يغدو باطلا من الأمر وخارجا عن معنى الحياة وحقيقتها د / محمد سعيد رمضان البوطي منهج الحضارة الإنسانية . بيروت 73 ، فضلا عن أن فقدان أحد الجانبين لنسبته يزيغ بصيرة الإنسان ويضل خطواته على درب الفعل الحضاري الرشيد .

2 -الفكرة أو المنهج:

إن المعالم الواجبة التحقق في الفكر المبدع للحضارة معالم كثيرة وأهمها هي ( إيجابيته ) وحركته ( ديناميكيته ) فالفكر السكوني السلبي أو الانعزالي لا يصنع حضارة مهما كانت أخلاقيته أو مثاليته .

وهذا الفكر من أبرز واجباته أن يقدم تقنينا سليما لعلاقة الإنسان

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 166)

بمبدع الكون ، ثم يقدم تفسيرا لعلاقة الإنسان بالكون ، ولعلاقته بأخيه الإنسان .

فثمة مهمة محددة للفكرة الحضارية المؤهلة لإطلاق طاقات الإنسان نحو فعل حضاري حركي إيجابي - أهمها بإيجاز:

1 -تقديم تفسير لعلاقة الإنسان بالإنسان ( تشريعيا وأخلاقيا ) وفي الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة حديث عن العقيدة الإسلامية والشريعة والأخلاق- وهو يستغرق حيزا كبيرا - موجها لتغطية هذا الجانب .

2 -وتقديم تفسير لعلاقة الإنسان بالكون ، وهل هي علاقة تسخير إذلالي أو هي علاقة تسخير فطري ودود ، كما هي وجهة النظر الإسلامية ، فالكون قد هيأه الله أصلا ليسخره الإنسان ، وأعطاه العقل القادر - بعون الله - على التسخير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت