وهذا ما يجب أن نعرفه، ونحذر من مخالفته ونحن نحاول- الآن تنمية الفقه الإسلامى وتطويره0 هذه المحاولات التى تبذلها جمهرة مخلصة من رجل الفقه والشريعة في شتى أنحاء الوطن الإسلامى ممن يريدون أو يشيرون بتنمية الفقه الإسلامى وتطويره، لمواجهة الأوضاع والأنظمة والمؤسسات والحاجات القائمة في المجتمعات الحاضرة0
إنهم- مع احترامى الكبير لهم والتجاوب مع شعورهم المخلص ورغبتهم المشكورة، وتقديرى للجهد الناصب الذى يبذلونه- يحاولون استنبات البذور في الهواء00 وغلا فأين هو (( المجتمع الإسلامى ) )، الذى يستنبطون له أحكامًا فقهية إسلامية يواجه بها مشكلاته؟
المجتمع الإسلامى هو الذى يتخذ المنهج الإسلامى كله منهجًا لحياته كلها0 ويحكم الإسلام كله في حياته كلها، ويتطلب عنده حلولًا لمشكلاته0 مستسلمًا ابتداء لأحكام الإسلام0 ليست له خيرة بعد قضاء الله00
فأين هو هذا المجتمع اليوم؟ أين هو؟ في أى زاوية من زوايا الأرض؟
إن كل حكم فقهى يوضع الآن لمواجهة مشكلة قائمة في المجتمعات التى ليست إسلامية، لن يكون هو الذى يصلح ويواجه الواقع في مجتمع إسلامى0 وإذا قامت فلن تكون هى بحجمها وشكلها، ولن تكون طريقة المجتمع في مواجهتها- وهو إسلامى- هو طريقته في مواجهتها وهو غير إسلامى، ولأن عوامل شتى، وملابسات شتى، تجعل طبيعة المجتمع الإسلامى وطريقته في مواجهة الحياة والمشكلات غير طبيعية وطريقة المجتمعات غير إسلامية0
هذه بديهية0 فيما أظن00
إن أبا بكر وعمر وعليًا0 وابن عمر وابن عباس0 ومالكًا وأبا حنيفة وأحمد ابن حنبل والشافعى00 وأبا يوسف ومحمدًا والقرافى والشاطبى00 وابن تيمية وابن قيم الجوزية والعز بن عبد السلام وأمثالهم (عليهم رضوان الله) 00 كانوا- وهو يستنبطون الأحكام-:
أولًا: يعيشون في مجتمع إسلامى يحكم الإسلام وحده في شئونه، ويتخذ الإسلام وحده منهجًا لحياته- حتى مع بعض المخالفة الجزئية في بعض العصور- ويواجهون الحياة بهذا المنهج وبآثاره في نفوسهم0
ثانيًا: يزاولون العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامى في حياتهم الخاصة، وفى إطار المجتمع الإسلامى الذى يعشون فيه0 ويتذوقون المشكلات ويبحثون عن حلولها بالحس الإسلامى00
ومن ثم كانوا مستوفين للشرطين الأساسيين لنشأة فقه إسلامى، وتطوره ليواجه الأحوال المتطورة0 فوق استيفائهم طبعًا لشروط الاجتهاد، والتى لا مجال هنا ولا داعى لبيانها لأنها بديهية!
فأما الآن00 فماذا؟؟
إنه لابد أن نحسب بعد الواقع العملى، والواقع النفسى والعقلى، والواقع الشعورى والاعتقادى، عن جو الإسلام والحياة الإسلامية00
ولابد أن نتذكر أن المشكلات التى تواجهها مجتمعاتنا ليست مشكلات مجتمع إسلامى، حتى تستنبط لها أحكامًا فقهية إسلامية!
ولابد أن نحسب حساب الهزيمة العقلية والروحية أمام الحضارة الغربية، وأمام الأوضاع الواقعية00 والإسلام يواجه (( الواقع ) )دائمًا0 ولكن لا ليخضع له، بل ليخضعه لتصوراته هو، ومنهجه هو، وأحكامه هو، وليستبقى منه ما هو فطرى وضرورى من النمو الطبيعى، وليجتث منه ما هو طفيلى وما هو فضولى، وما هو مفسد00 ولو كان حجمه ما كان00 هكذا فعل يوم واجه جاهلية البشرية، وهكذا يفعل حين يواجه الجاهلية في أى زمان0
إن أولى بوادر الهزيمة هى اعتبار (( الواقع ) )أيًا كان حجمه هو الأصل الذى على شريعة الله أن تلاحقه! بينما الإسلام يعتبر أن منهج الله وشريعته هى الأصل الذى ينبغى أن يفئ الناس إليه، وأن يتعدل الواقع ليوافقه0 وقد واجه الإسلام المجتمع الجاهلى- العالمى- يوم جاء، فعدله وفق منهجه الخاص، ثم دفع به إلى الأمام0
وموقف الإسلام لا يتغير اليوم حين يواجه المجتمع الجاهلى- العالمى- الحديث0 إنه يعدله وفق منهجه0 ثم يدفع به إلى الأمام0
وفرق بين الاعتبارين بعيد0 فرق بين اعتبار (( الواقع ) )الجاهلى هو الأصل0 وبين اعتبارالمنهج الربانى هو الأصلى00
إننى أنكر وأستنكر استفتاء الإسلام اليوم في أى مشكلة من مشكلات هذه المجتمعات0 احترامًا للإسلام وجديته00 وإلا فأى هزء واستخفاف أشد من أن تجئ لقاض تطلب حكمه، وأنت تخرج له لسانك0 وتعلنه ابتداء أنك لا تعترف به قاضيًا، ولا تعترف له بسلطان0 وأنك لا تتقيد بحكمه إلا إذا وافق هواك! وإلا إذا أقرك على ما تهواه!
إن الإسلام لا علاقة له بما يجرى في الأرض كلها اليوم، لأن أحدًا لا يحكم الإسلام في حياته، ولا يتخذ المنهج الإسلامى منهجًا لمجتمعه0 ولأن أحدًا لا يحكم بشريعة الله وحدها، ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية وخصائصها، ولا يجعل الكلمة الأولى والأخيرة في شئون الحياة كلها لله ولشريعة الله0
والذين يستفتون- بحسن نية أو بسوء نية- هازلون! والذين يردون على هذه الاستفتاءات- بحسن نية أو بسوء نية- والذين يتحدثون عن مكان أى وضع من أوضاع البشرية الحاضرة من الإسلام ونظامه، أشد هزلًا00 وإن كنت أعلم عن الكثيرين منهم أنهم لا يعنون الهزل ولا يستسيغونه- لو فطنوا إليه في شأن الإسلام! إنما يستفتى الإسلام في الأمر حين يكون الإسلام وحده هو منهج الحياة0 ذلك عند قيام المجتمع الإسلامى0 المجتمع الذى يتخذ الإسلام شريعته ولا تكون له شريعة سواه- عندما يأذن الله ويشاء0
وثقتنا في رحمة الله بالبشرية تجعلنا نرجو دائمًا أنه- سبحانه- سيأذن بهذا ويشاء00
فقيام هذا المجتمع- كما قلنا وكما نكرر- ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية، وتلبية لنداء الفطرة في ساعة العسرة00
وإن كانت حتمية الميلاد لا تغنى شيئًا عن آلام المخاض00
ولكن كيف؟ وهذا الواقع البشرى الضخم يواجه الإسلام؟
على الذين يسألون هذا السؤال أن يتذكروا كيف وقع هذا الأمر أول مرة!
لقد وقف رجل واحد يواجه البشرية كلها بمنهج الله، ويقول لها- كما أمر-: إنها في جاهلية، وإن الهدى هدى الله00
ثم تحول التاريخ00 تحول حين استقرت هذه الحقيقة الهائلة في قلب ذلك الرجل الواحد0 تحول على النحو الذى يعرفه الأصدقاء والأعداء!
هذه الحقيقة التى استقرت في قلب ذلك الرجل الواحد، ما تزال قائمة قيام السنن الكونية الكبرى00 وهذه البشرية الضالة قائمة كذلك وقد عادت إلى جاهليتها!
وهذا هو الأمر في اختصار وإجمال00
توجد نقطة البدء0 نقطة استقرار هذه الحقيقة في قلب00 في عدة قلوب00 في قلوب العصبة المؤمنة00 ثم تمضى القافلة في الطريق00 في الطريق الطويل00 الشائك00 الغريب اليوم على البشرية غربته يوم جاءها الهدى أول مرة- فيما عدا بعض الاستثناءات- ثم تصل القافلة في نهاية الطريق الطويل الشائك00 كما وصلت القافلة الأولى00
لست أزعم أنها مسألة هينة0 ولا أنها معركة قصيرة00 ولكنها مضمونة النتيجة00 كل شئ يؤيدها00 كل شئ حقيقى، وفطرى، في طبيعة الكون، وفى طبيعة الإنسان00 ويعارضها ركام كثير0 ويقف في طريقها واقع بشرى ضخم0 ولكنه غثاء! ضخم نعم00 ولكنه غثاء!
(( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) )0
الحضارة الغربية المادية، وموقف المسلم منها
صلاح بن محمد البدير
المدينة المنورة
المسجد النبوي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة