فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 2255

إن الفقه الإسلامى لا يستطيع أن ينمو ويتطور ويواجه مشكلات الحياة إلا في مجتمع إسلامى! مجتمع إسلامى واقعى، موجود فعلًا، يواجه مشكلات الحياة التى أمامه، ويتعامل معها، وهو مستسلم ابتداء للإسلام!

إنه عبث مضحك ان نحاول مثلًا إيجاد أحكام فقهية إسلامية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في أمريكا أو روسيا، فأمريكا أو روسيا كلتاهما لا تعترف ابتداء بحاكمية الإسلام!

وكذلك الحال بالنسبة لأى بلد لا يعترف بحاكمية الإسلام!

وكل فقه تراد تنميته وتطويره في وضع لا يعترف ابتداء بحاكمية الإسلام، هو عملية استنبات البذور في الهواء00 هو عبث لا يليق بجدية الإسلام!

إن مشكلات (( المجتمع الإسلامى ) )فى مواجهة الحضارة القائمة، ليست هى مشكلات أى مجتمع آخر0 إنها ليست مشكلات جاهزة حتى نهيئ لها حلولًا جاهزة00 إنها مشكلات ستنشأ بشكل خاص، وبحجم خاص، وفق ظروف في عالم الغيب، ووفق ملابسات لا يمكن التكهن بها الآن00 فمن العبث الجرى وراء افتراضات لم تقع بعد، على طريقة (( الأرأيتيين ) ) ( ) التى يمجدها الجادون من مشرعى وفقهاء الإسلام00

كما أن مشكلات المجتمع الحاضر في مواجهة الحضارة القائمة ليس مشكلات (( مجتمع إسلامى ) )00 فهذا المجتمع الإسلامى لم يوجد بعد- منذ أن اتخذت شرائع غير شريعة الإسلام لتصريف الحياة- لم يوجد، حتى تكون هذه مشكلاته0 والإسلام ليس مطلوبًا منه- ولا مقبولًا كذلك- أن يوجد حلولًا فقهية لمجتمع غير إسلامى00 مجتمع أنشأ مشكلاته هذه بسبب أنه لم يعرف الإسلام، أو بسبب أنه هجر الإسلام، إن كان قد عرفه من قبل00

ففيم الجهد؟ وفيم العناء؟

إنه ليس الذى ينقص البشرية لقيام مجتمع إسلامى هو وجود فقه إسلامى (( متطور ) )! إنما الذى ينقصها ابتداء هو اتخاذ الإسلام منهجًا وشريعته شريعة0 إن الفقه الإسلامى لكى يتطور، ينبغى أن يجد التربة الذى يتطور فيها0 والتربة التى يتطور فيها الفقه الإسلامى هى (( مجتمع إسلامى ) )يعيش في العصر الحاضر، بدرجته الحضارية، يواجه مشكلات قائمة بالفعل! بتكوينه الذاتى00 ومواجهة المجتمع الإسلامى لهذه المشكلات، لن تكون كمواجهة أى مجتمع آخر لها بطبيعة الحال00

ولكن هذه البديهية- فيما يبدو- لا تبدو واضحة للكثيرين من المخلصين الغيورين على الإسلام (( العقلاء ) )!

ومن أجل ذلك نكرر ونعيد ونزيد في الإيضاح00

إن كل ما يمكن قوله إجمالًا عن المجتمع الإسلامى00 أنه ليس صورة تاريخية محددة الحجم والشكل والوضع00 أننا في العصر الحديث لا نستهدف إقامة مجتمع من هذا الطراز، من حيث الحجم والشكل والوضع، إنما نستهدف إقامة مجتمع مكافئ من النواحى الحضارة المادية- على الأقل- للمجتمع الحاضر0 وفى لوقت ذاته له روح ووجهة وحقيقة المجتمع الإسلامى الأول، الذى أنشأ المنهج الربانى0 باعتباره قمة سامقة في روحه ووجهته وحقيقته الإيمانية وتصوره للحياة، ولغاية الوجود الإنسانى، ولمركز الإنسان في هذا الكون، ولخصائصه وحقوقه وواجباته0 وقمة سامقة في تناسقه وتماسكه00 أما الشكل والصورة والأوضاع فتتحد و تتجدد بتطور الزمن، وبروز الحاجات، واختلاف أوجه النشاط الواقعى000 إلى آخر الملابسات00 الملابسات المتغيرة المتحركة00 ولكن التى ينبغى أن يكون تحركها- في المجتمع الإسلامى- داخل إطار المنهج الإسلامى، وحول محوره الثابت، وعلى أساس الإقرار بألوهية الله وحده، وإفراد الله سبحانه بخصائص الألوهية دون شريك وأولى هذه الخصائص هى حق الحاكمية والتشريع للعباد، وتطويعهم لهذا التشريع0

ومن ثم فإنه ليس (( الفقه ) )الإسلامى هو الذى نتقيد به في إنشاء هذا المجتمع- وإن كنا نستأنس به- إنما هو (( الشريعة ) )الإسلامية والمنهج الإسلامى، والتصور الإسلامى العام0

وهذا يتطلب ابتداء، أن ترتضى جماعة من البشر اتخاذ الإسلام منهج حياة، وتحكيمه في كل شان من شئون هذه الحياة- أى افراد الله، سبحانه، بالألوهية والربوبية، في صورة إفراده، سبحانه، بالحاكمية التشريعية- ولحظتئذ- لا قبلها- يوجد (( المجتمع الإسلامى ) )00 ويبدأ في مواجهة الحياة القائمة، بينما هو يكيف نفسه، وأوضاعه وحاجاته الحقيقية، ووسائل إشباع هذه الحاجات، متأثرًا بعقيدته، وما تنشئه من تصورات خاصة، ومتأثرًا بطريقته المنهجية الخاصة في مواجهة الواقع، والاعتراف بما هو فطرى من هذا الواقع، وما هو ضرورى لنمو الحياة السليمة، مع رفض ما ليس فطريًا ولا ضروريًا للنمو، وما هو ضار ومعطل وساحق لهذا النمو، من ذلك الواقع00 وفى خلال هذه المواجهة- بكل هذه الملابسات- ينشئ أحكامه الفقهية الخاصة، أولًا بأول، في مواجهة وضعه الخاص00

وهنا00 يخدم هذا المجتمع الناشئ ما حسبناه وما نزال نحسبه سوء حظ في انقطاع نمو الفقه الإسلامى!

قد تكون هذه خدمة يسرها الله لحكمة00

ذلك أن المجتمع الوليد سيتجه حينئذ مباشرة إلى شريعة الله الأصلية0 لا إلى آراء الرجال في الفقه0 لأنه لن يجد في آراء الرجال- وهى مفصلة لعصور خاصة ولظروف خاصة- ما يساوى قدره، إلا بعمليات ترقيع وتعديل00

وعندئذ يعمل إلى القماش الأصلى الطويل العريض00 (الشريعة) 00 ليفصل منه ثوبًا جديدًا كاملًا، بدلًا من الترقيع والتعديل!

إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامى، وإهدار الجهود الضخمة العظيمة التى بذلها الأئمة الكبار0 والتى تحوى من أصول الصناعة التشريعية، ومن نتاج الأحكام الأصلية، ما يفوق- في نواح كثيرة- كل ما أنتجه المشرعون في أنحاء العالم0

ولكنها فقط بيان للمنهج الذى قد يأخذ به المجتمع الإسلامى الذى ينشأ- عندما ينشأ- وبيان لطبيعة المنهج الإسلامى في إنشاء الأحكام الفقهية0 إنشائها في مواجهة الواقع الفعلى للمجتمع الذى يعترف ابتداء بحاكمية الإسلام0 إن تلك الثروة الضخمة من الفقه الإسلامى، قد ولدت ونشأت، يومًا بعد يوم، في مجتمع إسلامى يواجه الحياة بعقيدتها الإسلامية ومنهجه الإسلامى، ويعترف ابتداء بحاكمية الإسلام له، ولا يعترف بحاكمية منهج آخر غير الإسلام- مهما يكن في سلوكه أحيانًا من مجافاة جزئية للإسلام0 ولكن الخطأ في السلوك والانحراف في التطبيق شئ، وعدم الاعتراف ابتداء بحاكمية المنهج الإسلامى كله شئ آحر00 الأول يقع في المجتمع الإسلامى ويظل مع ذلك مجتمعًا إسلاميًا، يصح أن ينمو فيه الفقه الإسلامى ويتطور0 والثانى لا يقع إلا في مجتمع غير إسلامى0 مجتمع لا يصلح بيئة لنمو الفقه الإسلامى وتطوره، لأنه مجتمع جاهلى لا علاقة له بالإسلام، مهما ادعى لنفسه صفة الإسلام!

وشئ آحر00

إن الفقه الإسلامى ليس منفصلًا عن الشريعة الإسلامية ليست منفصلة عن العقيدة الإسلامية0 والفقه والشريعة والعقيدة ونظام الحياة كل لا يتجزأ في التصور الإسلامى00 ومحال أن يكون هناك إسلام ولا مسلمون ولا مجتمع مسلم، إذا تمزق هذا الكل الموحد مزقًا وأجزاء!

وفى أى نظام اجتماعى آخر- غير النظام الإسلامى- تكفى المعرفة بأصول التشريع وطرق الصناعة الفقهية ليصبح للرجل القدرة على وضع الأحكام القانونية00

أما في النظام الإسلامى فإن مجرد المعرفة بأصول الصناعة لا يكفى0 فلابد من أمرين:

1-مزاولة العقيدة والمنهج في الحياة العامة للأمة0

2-مزاولة العقيدة والمنهج كذلك في الحياة الخاصة للمشروع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت