فالحذر الحذر من كفران النعم ، فإن الإعراض عن شرع الله مؤذن بحلول النقم ،قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ .أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ .أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ .أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } الأعراف 96- 99.
وأخيرا ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } الصف 8-9 .
"..إعداد: أبو عمر"
المقاطعة والصناعة
إننا - نحن المسلمين - نعيش في العصور الأخيرة، وبخاصة في هذا العصر عيشة تخالف ما أراد الله لنا شرعا، بسبب مخالفتنا لإرادته الشرعية التي وضحها فيما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بلغنا بذلك في رسالته البلاغ المبين الذي لم تبق لنا على الله وعلى رسوله حجة، بين لنا ذلك في أصول الإيمان وفروعه، وفي أصول الإسلام وفروعه.
ومن ذلك وجوب قيامنا أو قيام طائفة منا بفروض الكفاية، بحيث، تأثم الأمة كلها إذا فقد أي فرض من تلك الفروض الكفائية، التي تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم المستقرة المستقلة استقلالا يغنيهم عن هيمنة أعدائهم عليهم، من زراعة وصناعة وحياكة وخبازة وتجارة وبناية ونقد وتعليم وإعلام وصرافة وغيرها.
ومعلوم أن فرض الكفاية - كما يعرف من تسميته - لا يقصد منه تكليف كل فرد من أفراد المسلمين القيام به، لأن المقصود وجود الفرض وجودا يكفي المسلمين كفاية تسد حاجتهم وتحميهم من مشقة فقده وترفع عنهم الحرج والإثم، فإذا ما قام به فرد منهم أو جماعة قياما كافيا نال أجره من قام به وسلم غيره من الإثم، فإن لم يقم به أحد قياما كافيا أثمت الأمة كلها، ولا يرتفع عنها الإثم حتى توجِد من يقوم به، ويكون فرض واجبا - كما ذكر العلماء - على فريقين:
الفريق الأول: القادرون على إيجاد من يقوم بهذا الفرض، سواء كانت قدرتهم متعلقة بتكليف من يقوم به وتسهيل أمره في ذلك كالحكام، أو متعلقة بإعانته على القيام به بمال أو غيره من الوسائل، كالحكام وذوي اليسار من الأمة.
الفريق الثاني: من عندهم الكفاءة التي تمكنهم من القيام بهذا الفرض كعلماء الشريعة الذين يقومون بما يحتاج إليه الناس من دين الله في أي مجال من المجالات، كالأئمة والمفتين والقضاة والمعلمين، وكعلماء الزراعة والمزارعين الذي يكفون الأمة في الحرث والزراعة والحصاد والتخزين، وكعلماء الفروسية وذوي التخصصات الجهادية في كل مجال من مجالاتها، من التصنيع إلى الصيانة والإمداد ونحوهما.
قال إمام الحرمين عبد الملك الجويني رحمه الله:"ثم الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات، أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى من فنون القربات، من فرائض الأعيان، فان ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بارتسام، اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب."
ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات، لعم المأثم على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، والقائم به كافٍ نفسَه وكافةَ المخاطبين الحرجَ والعقابَ، وآمِلٌ أفضلَ الثواب، ولا يهون قدرُ من يَحُلُّ محلَّ المسلمين أجمعين في القيام بمهم من مهمات الدين" [[الغياثي، فقرة رقم (509) الطبعة الثانية 1401ه، تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب] "
وفي القرآن الكريم إشارات إلى ما أنعم الله به على عباده مما يحتاجونه في حياتهم، وأذكر على سبل المثال بعض تلك الإشارات:
و في أنبياء الله لنا قدوة
ألا ترى أن الله سبحانه أمر نبيه نوحًا عليه السلام أن يصنع لنفسه ولأتباعه ممن آمن به سفينة تكون سببًا ماديًا في نجاتهم من الغرق ؟، مع أن الله تعالى كان قادرًا على أن ينجيه وقومه بدونها، وما قيمة سفينة أمام قدرة الله؟ لولا أن الله تعالى أراد أن يعمل عبده ورسوله نوح عليه السلام السبب الذي هو مقصود له من عباده، وإن كانت الأسباب ومسبباتها لا تحصل إلا بقدرته..
(( قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ(26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29 ) ). [المؤمنون: 26ـ29] .
تأمل قوله تعالى: (( فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) )حيث أمر الله نوحا ومن اتبعه أن يحمدوا الله على تنجيتة هو لهم وليست السفينة لذاتها، فالله يأمر بالسبب ويعين من أطاعه على فعله، ويرتب عليه وجود المسبب بمشيئته تعالى.
ولهذا عندما شرع الله لعباه الإقرار بعبادته وحده التي هي سبب في رضاه عنهم وفي إدخالهم دار نعيمه، أرشدهم إلى الاستعانة به، كما قال تعالى في سورة الفاتحة آية (5) التي يرددها المسلمون آلاف المرات في حياتهم: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) )
وعلَّم الله سبحانه نبيه داود صناعة الألبسة والدروع، التي تتقى بها أسلحة الأعداء وامتن على عباده بذلك لما فيه من حماية أنفسهم به وحثهم على شكره إذ علمهم ذلك عن طريق أحد أنبيائه ورسله، وهو داود عليه السلام، قال تعالى: (( وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون ) ). [الأنبياء:80] .
قال القرطبي رحمه الله:"هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ونسب مَن ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة، وقد أخبر الله عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضًا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثًا ونوح نجارًا ولقمان خياطًا )) . [الجامع لأحكام القرآن (11/321) ] ."
وإذا كان الله سبحانه قد أمر بعض أنبيائه باتخاذ الأسباب التي هم في حاجة إليها في حياتهم، وأمد بعض أنبيائه بأسباب مادية بلا صنع منهم، كما جعل الريح والحيوان والجن طوع أمر سليمان عليه السلام - مثلًا - فإن الأمة التي تحتاج إلى ما تقوم به حياتها وهي قادرة على إيجاده، يجب عليها ان تتخذ الأسباب التي تحقق لها تحتاج إليه ولا يجوز لها القعود عن اتخاذ تلك الأسباب، وبخاصة الأسباب التي يكون في فقدها ضعفها الذي يُطمِع فيها عدوها بالعدوان عليها.