فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 2255

في الماضي البعيد قامت مزاوجة في بنية التربية والتعليم بين علوم الشريعة والعلوم الحياتية والكونية ، وقد أنجب ذلك الاقتران حضارة إسلامية زاهية باهرة ، ثم أخذت علوم الحياة تنسحب من المناهج والحلق الدراسية شيئًا فشيئًا ، حتى جهلت الأمة أبجديات المعرفة في الطبيعة والكون والصناعة ، ووصلت إلى الحضيض ، واليوم ترتكب الأمة الخطأ نفسه على نحو معكوس ، حيث تَرَاجع نصيب العلوم الشرعية في المناهج الدراسية في أكثر البلدان الإسلامية ، كما تراجعت المفردات القيمية والأخلاقية في لغة التربية والإعلام ، وكان حصاد ذلك: أعدادًا كبيرة من البشر تحيط بالكثير من المعارف المختلفة ، لكنها تجهل بدهيات وأساسيات في عباداتها ومعاملاتها ! ، وصار لدينا اليوم كمّ هائل من المفردات التي تحث على النشاط والفاعلية والنجاح والتنظيم وحيازة الثروة وتحقيق الذات .. على حين تنوسيت المفردات التي تغرس أخلاق الصلاح والاستقامة والبعد عن الحرام ، والإقبال على الآخرة .. ولا بد أن الناس بدؤوا يشعرون بعواقب هذا الخلل من خلال انتشار اللصوصية وهي أصناف ، والرشوة ، والشره المادي ، والأنانية ، والانغماس في الشهوات ، وقطع الأرحام ، ونسيان الله والدار الآخرة .

6-إذا كانت (الزوجية) تمثل قاعدة مهمة من قواعد خلق الوجود ، فإن ذلك يعني أن ننسجم نحن مع تلك القاعدة ، ونحاول أن نمتلك رؤية مركّبة للأشياء ، ما دام ليس هناك شيء لا ينتمي إلى مركبٍ ما على وجه من الوجوه .

وامتلاك هذه الرؤية سيكون ضروريًّا للمحافظة على توازننا العقلي والنفسي ، وضروريًّا لوضع الأمور في نصابها الصحيح ، وعلى سبيل المثال: فإنه مهما بلغ صلاح الأفراد والجماعات ، فلا ينبغي أن نفسر ما نراه لهم من تصرفات على أساس المبادئ وحدها ، فهناك مبادئ ، وهناك مصالح أيضًا ، وليس في هذه الأرض من يستطيع النفض عن مصالحه على نحو كامل .

وفي مقابل هذا: فإن السواد الأعظم يحاولون تحقيق مصالحهم في إطار المبادئ التي يؤمنون بها ، ما وجدوا أن ذلك ممكن ، وبما أن المبادئ والمصالح طرفان في تركيب زوجي واحد ، فإن احتمال جور الإنسان على أحدهما لحساب الآخر ، يظل أمرًا واردًا ، بل يكون في كثير من الأحيان أمرًا لا مفر منه ، ولست أقصد من وراء هذا شيئًا سوى الاستبصار في فهم سلوك الناس ، وفهم خلفياته ، ومحاولة تفسيره على أنه يتم وفق موازنات ، وفي سياق ضرورات وطموحات ، وتحت ضغوط وأحيانًا تهديدات ، وهذا مهم في الاقتداء والإعذار وأمور أخرى ..

الرؤية المركبة تجعلنا نبصر القصور الذاتي إلى جانب التآمر الخارجي ، وإعطاء كلٍّ منهما وزنه وتأثيره الحقيقي ، كما أنها تجعلنا نشعر بنعمة الرخاء وفيوض النعم إلى جانب الإحساس بالحساب والسؤال عنها يوم القيامة .

بالرؤية المركبة ندرك الصبر وعواقبه ، والظلم ومآلاته ، وبذلك يتم لنا توسيع مجال الرؤية ؛ لنقف على طرفي الموازنة وعنصري المزاوجة ، وبذلك نجسِّر العلاقة بين الأطراف المتنافسة والمتحالفة ، ونحاول أن نرى الأرضية المشتركة التي تجمع بينها .

(*) الآية: 49 من

حكاية الحاج رمضان

د. نهى قاطرجي

ها هي الساعة تناهز العاشرة ولا زال الحاجّ رمضان غارقًا في النوم، لقد أثار هذا الأمر قلق زوجته التي لم تعهد منه ذلك، إذ كان يستيقظ دومًا قبل الجميع، يصَلّي الفجر في المسجد ثم يعود إلى المنزل ليبدأ يومه بقراءة الصحف والمجلات...

-لقد بدأتْ أقلق... سأدخل لأرى ما به، لعله مريض. هكذا حدثت الحاجة نفسها قبل أن تدخل الغرفة بخطى خفيفة، وما أن اقتربت من السرير حتى بادرها بالقول: لستُ نائمًا... أنا مستيقظ منذ ساعات.

-منذ ساعات؟! ولماذا لا زلت قابعًا في السرير؟

-لا أشعر بالرغبة في الخروج... دعيني أرتاح قليلًا...

اقتربت الحاجة من السرير ونظرت إليه قائلة:

-ما بك يا حاجّ رمضان؟ ما هذا الحزن البادي على وجهك؟!

ومسحت الزوجةُ بلطف على وجه زوجها، وعندما وجدته مبللًا بالدموع... شهقت وقالت: أنت تبكي يا حاجّ؟!... تبكي في ذكرى مولدك؟!...

-ذكرى مولدي؟!... وأيُّ ذكرى أُحييها وأنا وحيد وبعيد عن قُرَّتَيْ عيني؟! عن ولداي؟

-معك حق... معك حق... ولكنك إنسان مؤمن... ما عهدتُ فيك إلا الصبر والثبات... لا تخف على أبنائك... لقد تربّيا في مدرستك... وإن شاء الله سيكونان بقُربك في العام المقبل.

-حسبُنا الله ونِعم الوكيل... ليتَ ما تقولينه يا حاجّة يتحقق... لأنني أخشى أن يهزمَني الموت قبل أن أرى واحدًا منهما... وكيف أراهما وقد شُتِّتا في أرض الله الواسعة؟ لقد فقدتهما جميعًا... فقدتهما.

-لا تقنط يا حاجّ رمضان، سيعودان بإذن الله... بما أنك ربيتهما على الإيمان والطاعة، فإنهما مهما عاندتْهما الأيام وقست عليهما، فستبقى تعليماتك حِصْنًا يحميهما من الوقوع في الخطأ والزَّلل.

هزَّ الحاجّ رمضان رأسه وقد ارتسمت على وجهه بسمة تحمل كل معاني الشك والقلق، وقال لزوجته:

-إن جزءًا مما قلتِه صحيح، فأحمد الذي غيَّبته سجون الاحتلال، لا يمكن أن ينساني، وسيبقى يتذكرني مهما بلغت قسوة التعذيب التي يعاني منها هناك... أعرف هذا، فهو لم يُسجن إلا بسبب إيمانه... لذلك لا أخاف عليه... وهو، إن شاء الله - تعالى -، عائدٌ إليّ مهما طال الزمن... وسأنتظره، أما ربيع الذي هاجر إلى بلاد الغرب، فهذا هو الطفل المدلَّل الذي أخشى عليه من الفتنة... وهو الذي أدعو الله - عز وجل - أن يحميه ويهديه إلى الحق والصواب... فلقد أخبرني أحد الثقاة الذي التقى به في بلاد المهجر أنني إذا رأيته فلن أعرفه...

-لماذا لم تخبرني بذلك؟ أنت تعرف هذا الأمر عن ربيع ولم تخبرني؟ لماذا يا حاجّ؟ لماذا؟

-لماذا؟ لأنني لا أريد أن أبدّل الصورة التي رسمتها لابنك، فكيف أخبرك أنه يعيش هناك عيشة الغربيين المادية، وهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكّي ولا يهتم لأمر أحد؟... لقد تبدّلت مبادؤه وأهدافه...

لا عليكَ يا حاجّ... لا عليك... أنا لستُ قلقة عليه... هيّا قُم من السرير... ستأتي البنات مع أزواجهن وأبنائهن بعد قليل...

بناتي؟ هنَّ أيضًا أصبحوا غرباء عني... أرأيت كيف أصبحوا يفكرون ويتصرفون؟ لقد باتت المادة هي هدفهنّ الأول والأخير... نسَوا كل معاني التضحية والحب والعطاء والإحساس بآلام الآخرين التي ربيتُهن عليها... نسَوْها كلّها وربَوا أبناءهن تربية متناقضة تمامًا... زرعوا في نفوسهم الأنانية وحبَّ الذات والانجراف وراء الشهوات... لذا فإنهم نادرًاَ ما يأتون لزيارتنا... سترَيْن حتى ولو أتَوْا اليوم، فإنهم لم يأتوا بملء إرادتهم... بل جاءوا مكرَهين... راقبيهم عندما يأتون كيف ينظرون إلى الساعة بشكل متواصل، ينتظرون وقت الرحيل بفارغ الصبر،... حتى يذهبوا إلى المطعم الذي يتواعدون فيه مع أصحابهم، أو تجدينهم ما أن يجلسوا حتى يديروا مِفتاح التلفاز ليتابعوا ذلك المسلسل التلفزيوني الذي فاتهم بالأمس...

بناتي... تقولين بناتي... وأين هم؟... لقد نسوا حتى أخاهم السجين... بل وربما يضعون اللوم عليه... فهنّ يعتبِرنَه إرهابيّ لطّخ سمعة العائلة... لم يفكر فيهنّ ولا في أبنائهنّ...

تقولين بناتي... لا أريد أن أرى أحدًا منهنّ... دعيني لحزني يا حاجّة... واذهبي أنت لاستقبالهنّ... لا تخافي لن يبقَيْن طويلًا فسيذهبن إلى المطبخ يقضين فيه بقية اليوم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت