فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 2255

ومن مقتضيات هذه (( الفردية ) )ألا يكون التنظيم الاقتصادى بحيث يضع كل شىء في يد الدولة فتصبح - إلى جوار سلطاتها السياسية والقانونية - هى المالك الوحيد لموارد الإنتاج وأدواته ووسائله. وهى التاجر الوحيد الذى يستورد ويصدر ويبيع للأفراد. وهى (( المفكر ) )الوحيد كذلك لأنها لا تسمح بالرأى المخالف، ولا بالمناقشة لمبادئ الدولة وأفكارها ووسائلها.. والخصائص الإنسانية العامة والخصائص الفردية الخاصة، كلها مهددة بالدمار في مثل هذه الأحوال.

ومن حسن الحظ أن الفطرة البشرية لا تخضع طويلًا لمثل هذه المحاولات الجائرة على الطبيعة البشرية، والكينونة الإنسانية. ومن ثم تضغط حتى تسحق هذه المحاولات شيئًا فشيئًا . وقد اضطرت الأنظمة الشيوعية (أو الاشتراكية كما تسمى نفسها) إلى التعديلات المتوالية، التى هى في الحقيقة (( عدولات ) )عن كثير من الأسس الرئيسية في المذهب. لأن ضغط الفطرة كان أقوى من أن تصمد له كل أجهزة الدولة وضغطها الساحق0

وحسبنا هذه الإشارات إلى التخبط بين طرفى المبالغة في كل اتجاه، وفى كل نظام، والترنح في خطوات البشرية ذات اليمين وذات الشمال، وما صاحبه من مذابح رهيبة، ذهب فيها الملايين من البشرية، ومن مذابح كذلك للأخلاق والآداب الإنسانية ارتكست فيها الإنسانية في الوحل0

وقد رأينا - في اختصار وإجمال - هذه الظواهر في الجوانب الثلاثة الرئيسية لحياة الإنسان متمثلة في النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته. وفى النظرة إلى المرأة وعلاقات الجنسين. وفى النظرة إلى الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية.

وكانت هذه هى الضريبة الفادحة التى دفعتها أوروبا - ومن ورائها البشرية كلها مع الأسف - لشرودها عن الله ومنهجه في الحياة 0

إن الإبداع المادى في هذه الأرض على يد الإنسان.. فوق أنه ضرورة لحياته ولنمو هذه الحياة ورقيها.. هو في الوقت ذاته وظيفة أساسية له، يحقق لها وجوده، وينمى فيها ذاتيته، ويدرب فيها استعداداته الكامنة، التى أودعها الله كينونته الفردية المعقدة المركبة.. فهو وحده من بين سائر الأحياء الذى يؤدى هذه الوظيفة عن وعى وقصد وإرادة.. ثم هو - بعد هذا وذاك واجب يحقق به غاية وجوده الكبرى: وهى الخلافة عن ا لله في الأرض: (( إنى جاعل في الأرض خليفة ) ).. ويحقق بها العبادة لله عن طريق هذه الخلافة، والعمل فيها باسم الله، ابتغاء رضوان الله: (( ومنا خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) ( ) 0

ولكن هذا الإبداع المادى - بكل مدلولاته - من فلاحة الأرض، إلى استخراج كنوزها واستخدام طاقاتها، إلى انتاج المواد الاستهلاكية للاستمتاع بطيبات الحياة، إلى ريادة الفضاء الكوني وما قد تتيسر ريادته من الكواكب. هذا الإبداع بكل مدلولاته يجب أن يكون في خدمة (( الإنسان ) )، فهكذا أراد له خالقه، وهو يعلن أنه سخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه 00 وأن يكون ملحوظًا في هذا الإبداع وفى بناء الحضارة التى تقوم عليه، تنمية خصائص (( الإنسان ) ): خصائصه كجنس يفترق عن المادة ويفترق عن الحيوان، وخصائص أفراده الذين يؤلف كل واحد منهم عالمًا خاصًا - كما أسلفنا - بفرديته البيولوجية والنفسية والقعلية .. وألا يكون في طرائق الإبداع المادى ولا في بناء الحضارة التى تقوم عليه، ما يناقض هذه الخصائص أو يدفنها، أو يعوق نموها، أو يحطمها، ولا أن يهينها كذلك ويحقرها، ولا أن يجعل دور الإنسان في هذه الأرض دورًا ثانويًا أو تابعًا للإبداع المادى، بأى حال من الأحوال0

... وليس هنالك تعارض إطلاقًا بين أن يظل (الإنسان) سيد هذه الأرض، وأن تنمى خصائصه الجنسية والفردية، وتؤكد شخصيته كجنس وكفرد، وبين أن ينمو الإبداع المادى ويتجدد ويترقى0

وليس الأمر أنه ليس هنالك تعارض - فحسب - بل هنالك تناسق بين هذا وذلك حين تستقيم النظرة إلى الإنسان، ومركزه في هذا الوجود، ودوره في هذه الأرض، وخصائصه التى زود بها من لدن خالقه العظيم، وواجبه الذى كلفه والذى خلق من أجله 00

ولكن صانعى هذه الحضارة الحديثة - ولو أنها حلقة من حلقات الحضارة الإنسانية غير منفصلة عنها في جذورها العميقة - لم يكن لديهم العلم بحقيقة هذا الإنسان وخصائصه. كما أنه لم تكون لديهم الرغبة في احترامه وتكريمه.

لم يكن لديهم العلم، لأن هذه الحضارة بدأت ونمت خلال القرون الثلاثة الأخيرة، بينما الجهالة المطلقة بالإنسان لا تزال قائمة حتى اللحظة . وليس هنالك ما هو صحيح وثابت عنه إلا ما أخبر به عنه خالقه العظيم .. والحضارة المادية الحديثة نشأت في جو الشرود من الكنيسة، والنفور من ظلها، ومن ظل الدين.. كل الدين 00

ولم تكن لديهم الرغبة، لأن أية محاولة لتكريم الإنسان، كانت ستذكر بمركزه الذى يعطيه الدين له .. وكل شىء كان جائزًا في أوروبا إلا أن تجئ سيرة الدين . وأن تكون لهذا الدين أية علاقة بأوضاع الإنسان (( المدنية ) )وبالنظم الاجتماعية والاقتصادية، وبعلاقات العمل وارتباطاته وطرائقه الفنية! بل كانت تتوافر عندهم الرغبة المضادة والحرص البالغ، على تحقير الإنسان، وتدنيسه وتلويثه، وإثبات حيوانيته وقذارته الجنسية من جهة، وضآلة دوره إزاء المادة وقوانينها الحتمية، والاقتصاد وإرادته القاهرة منجهة أخرى، كأنما هم أعداء لهذا (( الجنس الإنسان ) )حريصون - في شماتة ظاهرة - على إبرازه يتلبط في المستنقع ويتلطخ بالأوحال. كل ذلك ليقولون للكنيسة: خذى إلهك ودينك، وخذى معهما إنسانك هذا الذى تزعمين أن الله قد نفخ فيه من روحه واذهبى بعيدًا عنا وعن حياتنا الواقعية!!!

وأيًا ما كانت الملابسات التى أدت إلى هذه المأساة، فإن الحقيقة الواقعة، أن هذه الحضارة الحديثة - ولو أنها قامت ابتداء على أسس الاتجاهات التجريبية العلمية التى اقتبستها أوروبا من الأندلس ومن الشرق الإسلامى، النابعة ابتداء من التوجيهات القرآنية لتدبر النواميس واستغلال الطاقات والمدخرات في الأرض، ومن روح الإسلام الواقعية الإنسانية، إلال إنها حين انتقلت إلى أوروبا لم تنتقل بجذورها الفلسفية، إنما انتقلت علومًا وطرقًا فنية، ومناهج تجريبية. وصادفت ذلك (( الفصام النكد ) ) ( ) بين الدين والنهضة الحضارية. ومن ثم لم يلحظ في بنائها هذا (( الإنسان ) )المفروض أنه صانعها، وأنها من أجله صنعت. وكذلك أصبحت لا تلائم هذا (( الإنسان) بل تسحق خصائصه الأساسية التى تجعل منه هذا الكائن الفذ الفريد في الكون، والتى بدونها لا يملك هذا الكائن أن يؤدى دوره. كما أن إغفال بعضها في أى نظام اجتماعى أو إقتصادى، وفى أية حضارة، من شأنه أن يحدث الاختلاف في الكينونة البشرية، ويقضى لا على الجوانب التى أغفلت فحسب، بل كذلك على الجوانب الأخرى، نظرًا لأن الجهاز الإنسانى كل مركب متناسق، يعمل في الواقع كوحدة في كل نشاط يبذله، ولا يوجد مجزءًا إلا في عالم البحوث العقلية والمعملية0

ونعود إلى الاقتباس من تقريرات الدكتور ألكسيس كاريل عن هذه الحضارة وعن نشأتها، وعن عدم ملاءمتها للإنسان، وعن الخصائص الإنسانية التى تهملها أو تحطمها:

(( إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا. لقد أنشئت دون أية معرفة بطيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا 00(ص38) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت