فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 2255

(( لقد أهمل تأثير المصنع على الحالة الفسيولوجية والعقلية للعمال إهمالًا تامًا عند تنظيم الحياة الصناعية. إذ أن الصناعة العصرية تنهض على مبدأ: الحد الأقصى من الإنتاج بأقل قدر من التكاليف، حتى يستطيع فرد أو مجموعة من الأفراد أن يحصلوا على أكبر مبلغ مستطاع من المال( ) 00 وقد اتسع نطاقها دون أى تفكير في طبيعة البشر الذين يديرون الآلات، ودون أى اعتبار للتأثيرات التى تحدثها طريقة الحياة الصناعية التى يفرضها المصنع على الأفراد وأحفادهم )) (ص40) 0

(( وهؤلاء النظريون يبنون حضارات، بالرغم من أنها رسمت لتحقيق خير الإنسان، إلا أنها تلائم فقط صورة غير كاملة أو مهولة للإنسان. إن نظم الحكومات التى أنشأها أصحاب المذاهب في عقولهم عديمة القيمة 00 فمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين، تنطبق فقط على الرجال الجامدين(غير الأحياء أو المتحركين) . فيجب أن نفهم بوضوح أن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة . فإن علوم الاجتماع والاقتصاديات علوم تخمينية افتراضية ))00 (ص43) 0

(( يجب أن يكون الإنسان مقياسًا لكل شىء. ولكن الواقع هو عكس ذلك. فهو غريب في العالم الذى ابتدعه. إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه، لأنه لا يملك معرفة عملية بطبيعته.. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذى أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة، هو إحدى الكوارث التى عانت منها الإنسانية.. فالبيئة التى ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقوامنا، ولا بالنسبة لهيئتنا.. إننا قوم تعساء . لأننا ننحط أخلاقيًا وعقليًا .. إن الجماعات والأمم التى بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم، هى على وجه الدقة الجماعات والأمم الآخذة في الضعف، والتى ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها. ولكنها لا تدرك ذلك. إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف العدائية التى شيدها العلم حولها. وحقيقة الأمر أن مدنيتنا مثل المدنيات - التى سبقتها - أوجدت أحوالًا معينة للحياة. من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة. وذلك لأسباب لا تزال غامضة ) ).. (ص43 - 44)

(( ونحن ندرك أنه بالرغم من الآمال العريضة التى وضعتها الإنسانية في الحضارة العصرية، فقد أخفقت هذه الحضارة في إيجاد رجال على حظ من الذكاء والجراءة يقودونها عبر الطريق الخطر الذى تتعثر فيه. لأن بنى الإنسان لم ينمو بالسرعة التى تثب بها الأنظمة من عقولهم. ومن ثم فإن أكثر ما يعرض الأمم العصرية للخطر هو النقص العقلى والأدبى الذى يعانى منه الزعماء السياسيون ) ).. (ص37)

(( إن العقل. وقوة الإرادة والأخلاق، ترتبط ارتباطًا وثيقًا. بيد أن الإحساس الأدبى أهم بكثير من العقل. وحينما ينعدم هذا الإحساس من أحد الشعوب، فإن كيانه الاجتماعى كله يبدأ في الانهيار البطئ ) ).. (ص160)

(( يكاد المجتمع الحديث أن يهمل الإحساس الأدبى إهمالًا تامًا بل لقد كبتنا مظاهره فعلًا .. فقد أشربنا جميعًا الرغبة في التخلص من المسئولية. أما أولئك الذين يميزون الخير من الشر، ويعملون ويتحفظون، فإنهم يظلون فقراء، وينظر إليهم بضيق وتأفف. والمرأة التى أنجبت عدة أطفال وأوقفت نفسها على تعليمهم، بدلًا من الاهتمام الخاص بنفسها، تعتبر ضعيفة العقل. وإذا أدخر رجل بعض المال لزوجته وتعليم أولاده، سرق منه هذا المبلغ بواسطة الماليين أصحاب المشروعات أو أخذته الحكومة ) ).. (ص158) 0

(( إن المادية البربرية التى تتسم بها حضارتنا، لا تقاوم السمو العقلى فحسب. بل إنها تسحق أيضًا الشخص العاطفى، واللطيف والضعيف، والوحيد وأولئك الذين يحبون الجمال ويبحثون عن أشياء أخرى غير المال ) )000 (ص371) 0

(( إن امتناع نمو وجوه النشاط العاطفى، أو الجمالى، أو الدينى، يخلق أشخاصًا في المرتبة الدنيا، ذوى عقول ضيقة مريضة. وبالرغم من أن التعليم العقلى يهيأ الآن لكل فرد، إلا أننا ما زلنا نشاهد أمثال هؤلاء الأشخاص في كل مكان.. وعلى كل حال فإن الثقافة العالية ليست ضرورية لتخصب الشعور بالجمال، والإحساس الدينى، ولتنتج فنانين وشعراء، ورجال دين، وجميع أولئك الذين يتأملون مختلف وجوه الجمال: وهذا الذى نقوله صحيح أيضًا بالنسبة للإحساس الأدبى وأصالة الحكم.. وجميع ألوان النشاط هذه تكاد تكون كافية في حد ذاتها.. إنها لا تحتاج إلى الاقتران بالذكاء الحاد لكى تهيئ للإنسان استعداده للسعادة، فيجب أن يكون نموها هو الهدف الأسمى للتعليم لأنها تهيئ التوازن للفرد. إنها تجعل منه حجرا صلبًا في الصرح الاجتماعى، ولا شك في أن الإحساس الأدبى ضرورى أكثر من الذكاء بالنسبة لأولئك الذين يعملون على زيادة الحضارة الصناعية(ص168 - 169) 0

(( ويظل تذوق الجمال كامنًا(مكبوتًا) فى أغلب الأفراد، لأن الحضارة الصناعية أحاطتهم بمناظر قبيحة كريهة خشنة. ولأننا تحولنا إلى آلات. فالعامل يقضى حياته، وهو يكرر الإشارات والحركات نفسها آلاف المرات في كل يوم .. إنه يصنع قطعًا مفردة فقط، ولكنه لا يصنع وحدة كاملة مطلقًا. أى أنه غير مسموح له باستعمال عقله. إنه الحصان الأعمى الذى يدور في دائرة واحدة طول النهار ليخرج الماء من البئر . إن الصناعة تحرم على الإنسان استخدام وجوه نشاطه العقلى التى يمكن أن تجلب له قسطًا من المتعة كل يوم .. لقد ارتكبت المدينة الحديثة خطأ كبيرًا دائمًا بتضحية العقل في سبيل المادة. خطأ تزداد خطورته يومًا بعد يوم لأن أحدًا لا يثور ضده، ولأن الجميع يتقلبونه بسهولة كما يتقلبون الحياة غير الصحية في المدن الكبرى والسجن في المصانع. ومع ذلك فإن أولئك الذين يستشعرون مجرد الإحساس البدائى بالجمال في عملهم، أكثر سعادة من أولئك الذين ينتجون لأن مجرد الإنتاج يمكنهم من الاستهلاك.. إن الصناعة - بشكلها الحالى - حرمت العامل من الابتداع والجمال. وتعزى خشونة حضارتنا وكآبتها - ولو جزئيًا - إلى الكبت الذى نعانى منه في حياتنا اليومية، التى لا تشتمل إلا على أبسط أشكال الاستمتاع بالجمال )) (ص 161 - 162) 0

(( يتجاهل المجتمع العصرى الفرد، فهو لا يحسب حسابًا إلا (( لبنى الإنسان ) )فقط. إنه يؤمن بحقيقة (( الكونيات ) )ويعامل الناس كخلاصات. ولقد أدى اضطراب الأمر فيما يتعلق بالفرد، وبينى الإنسان، إلى وقوع المدنية الصناعية في غلطة جوهرية. وهى معاملة الناس على أساس قواعد مرسومة. فلو أننا كنا جميعًا متساويين لأمكن أن نربى ونعيش ونعمل في قطعان كبيرة أشبه بقطعان الأغنام. بيد أن لكل منا شخصيته الخاصة ولا يمكن أن يعامل كرمز )) .. (ص 318) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت