لا أعرف آية أو حديثًا فهم منه أئمتنا أن الزكاة إذا أديت على أكمل وجه في مجتمع أو إقليم تم القضاء على الفقر فيه. ولا أعتقد أن من يملك درجة متوسطة من الفقه يُقدم على القول بذلك. إن أفضل عصر أديت فيه الزكاة، وكانت الرغبة فيما عند الله أو أوجها هو عصر النبي - صلى الله عليه وسلم-، ثم عصر الخلفاء الراشدين . ولم يتم الفضاء على الفقر لا في مركز الدولة (المدينة المنورة) ولا في غيرها. وفي أمريكا أو أوروبا يدفع المواطن أحيانًا ما يصل إلى 60 أو 70% من دخله ضرائب للدولة، أي عشرات أضعاف الزكاة، ومع هذا فإن في تلك المجتمعات فقراء وبائسين كثر.
إنني أعتقد أن شعيرة الزكاة جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي وهذه الشعيرة لا تحقق أغراضها بكفاءة إلا إذا اشتغلت باقي أجزاء النظام مثل: القرض الحسن، والكفارات، وتوفير فرص العمل، و... على نحو جيد. والنظام الاقتصادي هو الآخر جزء من النظام الإسلامي العام، فإذا كان هناك فساد إداري أو سياسي، أو كان هناك ظلم اجتماعي فادح، أو تحلل أخلاقي؛ فإن النظام الاقتصادي لا يعمل بالكفاءة المنشودة. ومع كل هذا فإن الأعمال الخيرية لا تشكل متن الكفاية المعيشية لأحد، وإنما هي عبارة عن كرّة أخرى من أجل تلافي قصور النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في توزيع العدالة. إنها تساعد النظم المعمول بها، وتسد فجواتها لكنها لا تكون أبدًا بديلة عنها. ويجب أن يكون هذا واضحًا.
6-لنا أن نتساءل: هل قضى عمر بن عبدالعزيز على الفقر -على رأي من يدعي ذلك- بسبب صلاحه وتقواه أو بحسب حسن إدارته؟ إن كان ذلك بسبب صلاحه وتقواه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم- ثم الخلفاء الراشدون أفضل منه وأصلح. وإن كان ذلك بسبب حسن إدارته وتدبيره، فعمر بن الخطاب حكم أضعاف مدته وهو الإداري والاستراتيجي الأول، ومع هذا فلم يتم القضاء على الفقر في عهودهم الميمونة.
7-إن الله- تعالى- جعل الحاجة والعوز ونقص الأموال أداة ابتلاء واختبار لعباده، وسوف تستمر هذه الأداة إلى أن تنتهي حياة البشر على هذه الأرض؛ قال سبحانه: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) [سورة البقرة:155] .
إن هذا التفنيد لتلك المقولة على هذا النحو من التدقيق والتفتيش يستهدف تمرين الذهن على النظر العميق وتحريضه على عدم الاستسلام للمقولات الشائعة، كما أنه يستهدف تكوين بنية عقلية معقدة، تتجافى عن السطحية والتحليلات المستعجلة.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
ظاهرة الإساءة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ وشريعته في الغرب
والكلام حولها يقع في محاور، هي:
1.مقدمة.
2.ثم حقائق سريعة تبين حجم الإساءة للنبي_صلى الله عليه وسلم_ في الغرب.
3.يليها: بيان صورة الإسلام لدى الغرب وأسبابها.
4.وأخيرًا: تحرير مفهوم حرية التعبير واحترام الأديان والمقدسات.
أولًا مقدمة: العداوة القديمة.. والسنة الماضية.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آل محمد، كما صلى على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنه حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما بارك على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنه حميد مجيد، وبعد:
إن الاستهزاء بمحمد_صلى الله عليه وسلم_ تكذيب وكفر بالله -سبحانه-؛ لأنه_صلى الله عليه وسلم_"رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" [ الأعراف:61] ثم هو استهزاء وتكذيب بجميع الأنبياء والمرسلين، حيث إن من كذب بنبي فقد كذب بجميع الأنبياء،"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" [الأنبياء: 92] "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [ البقرة:285] .
فما صنعه بعض النفر من الدنمارك، وأشد منه ما صنعه قبلهم قساوسة العصر، تبعًا لأسلافهم من رهبان الماضي، كفر بجميع الرسل، وتفلت عن القيم العالمية القاضية باحترام الأنبياء -عليهم السلام-، فضلًا عن كونه قلة أدب وسفه من قبيل سفه الصبيان الذين إذا أعجز أحدهم أمر لجأ إلى كيل السباب والتنقصات.
ولا شك أن اللجوء إلى هذا الأسلوب يدل على أن القوم قد أعيتهم الحيلة، وشعروا بالهزيمة المعنوية الممهدة للهزيمة الحسية، فاخرجوا آخر ما في كنانتهم من سهام...
وقد دأب أعداء الرسل -إذا أعيتهم حجة الإسلام البالغة ودمغتهم محجته الواضحة- دأبوا يسارعون في حيدة واضحة، ليخرجوا الحوار حول ذلك التشريع الرباني والهدي الإلهي الذي جاءتهم به الرسل من عند الله إلى قضية أخرى يعتمدون فيها على نقل المعركة من ميدانها الصحيح إلى ميدان لا يجاريهم فيه الشرفاء، فينتقصون من جاءهم بالحق من عند الله، ويرمونه بالمثالب والمعائب فعل العاجز عن مقارعة الحجة بالحجة المائل لصرف الناس عن الحق والهدى بتطوير الخصومة عن طريق استفزاز أصحاب الحق.
قال الله _تعالى_:"وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" [ الذاريات: 38] جاء موسى وجاءت معه الحجة الظاهرة والسلطان المبين، فماذا فعل أستاذهم فرعون لما أتته تلك الحجج والآيات البينات؟"فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ" [ الذاريات: 39] لجأ للتهم والسباب!
ومع أن هؤلاء اليهود اكتووا بفرية فرعون"سَاحِرٌ كَذَّابٌ" [ص:4] ، لكنهم لم يعتبروا فعادوا لمّا بعث موسى يقولون:"سَاحِرٌ كَذَّابٌ"!، قال ابن جرير في تفسيره بعد أن ذكر سنده لقتادة في قوله:"ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ" [مريم:34] قال: امترت فيه اليهود والنصارى، فأما اليهود فزعموا أنه ساحر، وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله وثالث ثلاثة وإله، وكذبوا كلهم ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه1؟. والشاهد رمي اليهود لعيسى بأنه ساحر كذاب، وقد أخبرنا الله عن حالهم، فقال:"وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ" [البقرة: 113] .