"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ" [الأعراف: 65] فكيف جابهوا تلك الدعوة؟"قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين" [الأعراف: 66] .قال القرطبي:"في سفاهة أي في حمقة وخفة عقل"2،وهكذا تسير قافلة الأنبياء، والصورة تتكرر؛"كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ* أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ" [الذاريات: 52-53] . قال الطبري: يقول _تعالى_ ذكره كما كذبت قريش نبيها محمدًا_صلى الله عليه وسلم_ وقالت هو شاعر أو ساحر أو مجنون كذلك فعلت الأمم المكذبة رسلها الذين أحل الله بهم نقمته كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون وقومه ما أتى هؤلاء القوم الذين ذكرناهم من قبلهم يعني من قبل قريش قوم محمد_صلى الله عليه وسلم_ من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون كما قالت قريش لمحمد_صلى الله عليه وسلم_3. قال القرطبي:"أتواصوا به"! أي: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطؤوا عليه، والألف للتوبيخ والتعجب، بل هم قوم طاغون أي: م يوصي بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان.
وهذا الطغيان الجامع لأعداء الرسل دأب أهل الباطل جميعًا كما يقول الأستاذ سيد قطب في تعليقه على كلمة فرعون في موسى"إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" [غافر: 26] ."أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح عن وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟ إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان؛ والقصة قديمة مكررة تعرِض بين الحين والحين".
وإليك بعض نصوص التلمود عن المسيح عيسى بن مريم لتعلم أن القوم على طريقهم سائرون:-
-جاء في التلمود:"إن المسيح كان ساحرًا ووثنيًا".
-وقالوا:"إن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين الزفت والقار".
-وفي التلمود:"لقد ضلل يسوع, وأفسد إسرائيل وهدمها".
ويا سبحان الله إن من العجب أن أشد الناس بلاءً هم أعظم الناس حرمة، وهم الأنبياء كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، فإذا كان إيذاء المؤمنين الطيبين بغير ما اكتسبوا بهتان وإثم مبين كما قال _تعالى_:"وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" [الأحزاب:58] . فإن إيذاء الخاصة أشد إثمًا، ولهذا جاء في أشرف أحاديث الأولياء"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"4، وإيذاء أهل العلم والدعاة منهم أشد حرمة حتى قال الحافظ ابن عساكر -رحمه الله- اعلم وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب"فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور: 63] .لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم ، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم ، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم ، فكيف إذا كان هذا العالم أو الداعية ممن أصفاه الله على العالمين إنسهم وجنهم، بل وملائكتهم"إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [آل عمران: 33-34]
وقد قال _سبحانه_:"إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) [الأحزاب: 57] ."
إن مما خُبرنا به من أنباء الماضين أن بلعام ابن بعاورا كان من بني إسرائيل، وزعموا أنه علم اسم الله الأعظم فسخر علمه في حرب نبي الله موسى وشرع يدعوا عليه، فقال الله في القرآن مبينًا مثله:"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176 سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ" [الأعراف: 175-177] .
ولهذا لا ينبغي أن يعجب من صنيع المستشرقين المتحاملين ومن كتاباتهم منذ منتصف القرن السادس عشر الميلادي الذين تنوعت حملات إساءتهم وتشكيكهم بصحة رسالة النبي _صلى الله عليه وسلم_ ومصدرها الإلهي، أو في بعض أخباره وآثاره وخصائصه.
ويؤكد المفكر النصراني المعروف المستشار إدوار غالي الدهبي أن هذا التشويه الذي يقوم به الغرب ليس نابعا عن فكر أو قراءة موضوعية لسيرة نبي الإسلام، وإنما هو تشويه متعمد لا يصدر إلا عن أحد نوعين من الناس إما جاهل وإما حاقد مأجور يعمل لحساب النفوذ الصهيوني الذي يهمه أن يشوه الديانات السماوية وخصوصًا الدين الإسلامي ورسوله وأتباعه. وعلى هذا فهو ردة فعل طبيعية لإفلاس الحجة وفقد المنطق.
وبعد هذا التمهيد الذي حكى تاريخًا قديمًا وقريبًا يبين أصل هؤلاء وأسلافهم وعاقبتهم، أشرع في ذكر:
ثانيًا: حقائق سريعة تبين حجم الإساءة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ في الغرب.
والحوادث كثيرة، ولكني أكتفي بنماذج لها مراميها، فأشير على الصعيد الإعلامي إلى نماذج محدودة، وعلى الصعيد الديني إلى نماذج لشخصيات مشهورة مقربة من الإدارة الأمريكية:
-فأما الصعيد الأول فمنه ما نشرته صحيفة هيوستن برس الأمريكية الأسبوعية، في ولاية تكساس من إعلان لدار عرض أمريكية، تعرض فيلمًا إباحيًا بعنوان: 'الحياة الجنسية للنبي محمد'.
ورغم الاحتجاجات التي تلقتها دار السينما من مسلمي ولاية تكساس، إلا أنها رفضت إيقاف عرض الفيلم، واستعانت بالشرطة لصد المتظاهرين.
وبالطبع لم يتم اتخاذ أي إجراء لمنع عرض الفيلم من قبل المسؤولين.
-ومن الحوادث القديمة نسبيًا والتي تذكر في هذا الصدد حادثة الهجوم على المقر الرئيس لمنظمة"بني بريث"5 ومبنيين رئيسيين في واشنطن العاصمة عام 1977م طلبت فيه مجموعة إسلامية بإلغاء الفيلم السينمائي"محمد رسول الله،"ودفع مبلغ 750 دولارًا كغرامة، وتسليم الرجال الذين قتلوا"مالكوم إكس"6 الداعية المعرف باسم: الحاج مالك شباز.
والغرض من هذا بيان أن الحملة على نبينا _صلى الله عليه وسلم_ قديمة في الغرب وقد كانت لها آثارها إذ ذاك، ولكنها تنشط حينًا وتضمحل حينًا آخرًا.
* ومن هذا القبيل نشاط عدد من الإعلاميين الغربيين قديمًا وحديثًا ودأبهم على تشويه صورة الإسلام والمسلمين عن سبق إصرار وترصد بدعوى حرب الراديكالية7: