الشهيد سيد قطب - رحمه الله -
بسم الله الرحمن الرحيم
الحياة الإنسانية- كما هى سائر اليوم وكما هى صائرة وفق جميع التقديرات الظاهرة- لا يمكن أن تستمر في طريقها هذا، ولابد لها من تغيير أساسى في القاعدة التى تقوم عليها0 تغيير يعصمها من تدمير (( الإنسان ) )ذاته، بتدمير خصائصه الأساسية0 فالحياة الإنسانية- بداهة- لا تستطيع أن تبقى إذا ما دمرت خصائص (( الإنسان ) )0
وخط الحياة الحالى يمضى يومًا بعد يوم في تدمير خصائص الإنسان، وتحويله إلى آلة من ناحية، وإلى حيوان من ناحية أخرى00 وإذا كان هذا الخط لم يصل إلى نهايته بعد، وإذا كانت آثار هذه النهاية لم تتضح اتضاحًا كاملًا00 فالذى ظهر منها حتى اليوم، وفى الأمم التى وصلت إلى قمة الحضارة المادية، يشى بتناقص الخصائص الإنسانية وضمورها وتراجعها، بقدر ما يشى بنمو الخصائص الآلية والحيوانية وتضخمها وبروزها00
00 وهذا يكفى00
يكفى لتقرير أن خط الحياة يمضى يومًا بعد يوم في تدمير خصائص الإنسان، ولتقرير أن الحياة الإنسانية لا يمكن- إذن- أن تمضى مع هذا الخط إلى نهايته00 ما لم يكن مقررًا تدميرها نهائيًا00 والأمل من رحمة الله يمنع من توقع هذا المصير البائس، ويوجه توقعاتنا إلى ناحية أخرى: ناحية تجنب الإنسانية- بفطرتها وطبيعتها، وبعوامل الحدس والحذر والاحتياط الكامنة في كيانها- لهذا المصير البائس، بالتحول عن طريق الخطر في الوقت المناسب0 واختيار خط آخر وطريق آخر0 والتغلب على هذه الأزمة التى يجد (( الإنسان ) )فيها نفسه على حافة الهاوية0 وهو مندفع إليها بعنف، وهو في الوقت ذاته لا يملك الخيار، لأن عوامل كثيرة تكاد تفقده قوة الاختيار!0
وفى كل مرة كانت (( الإنسانية ) )والخصائص (( الإنسانية ) )مهددة تهديدًا مدمرًا ماحقًا، وقع التحول- بطريق خفية، كثيرًا ما كانت مجهولة الأسباب في حينها- وتجنبت البشرية ذلك الدمار (( الإنسانى ) )0 أما في هذه المرة فالتهديد أشد من كل ما عرفته البشرية من قبل من كل أنواع التهديدات0
وكان الكثيرون قد عقدوا آمالهم في هذا التغيير على (( الماركسية ) )0 على المادية الجدلية، وعلى التفسير الاقتصادى للتاريخ00 ولكن هذا لم يكن إلا وهمًا0 فالماركسية- مع التفسير المادى الجدلى للتاريخ- لا تمثل إلا دفعة في خط الدمار ذاته0 وليست تحولًا أصلًا0 لا في طبيعة الخط ولا في اتجاهه00 إنها القمة التى يصل إليها الخط المادى في التفكير، والآلية المادية في تصور وتكييف الحياة البشرية00
كذلك يتجلى فشل كل المحاولات الأخرى، التى يراد بها وضع (( أيديولوجية ) )جديدة، تجد فيها البشرية غناء، وتجد فيها مخرجا من الأزمة الحادة التى انتهت إليها، فكلها أفكار جزئية سطحية، وكلها محاولات مصطنعة لا جذور لها في الفطرة البشرية!
وحين نتلفت من حولنا في الماضى والحاضر، وفى المستقبل كذلك، لا نجد الحل المقترح لتجنيب البشرية ذلك الدمار، وللخروج بها من هذه الأزمة الحادة، وللاحتفاظ بـ (( الإنسان ) )عن طريق الاحتفاظ بخصائصه الإنسانية- احتفاظًا ناميًا متجددًا- إلا في التصور الإسلامى، والمنهج الإسلامى، والحياة الإسلامية، والمجتمع الإسلامى0
ومن ثم نعتقد أن قيام المجتمع الإسلامى ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية0 وأنه إذا لم يقم اليوم فسيقوم غدًا، وإذا لم يقم هنا فسيقوم هناك0 ليعصم البشرية من (( تدمير الإنسان ) )عن طريق تدمير خصائصه الإنسانية، ومن تدمير الحياة الإنسانية التى لا تقوم بغير إنسان محتفظ بخصائصه الإنسانية، في حالة نماء وارتقاء0
ولكن كيف تبدو الحياة الإنسانية مهددة بتدمير الإنسان عن طريق تدمير خصائصه الإنسانية، في ظل الحضارة القائمة، وعلى امتداد الخط الذى تسير فيه الحياة الإنسانية اليوم- بصفة عامة- الأمر الذى يجعل قيام المجتمع الإسلامى ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية؟0
لعله يحسن أن نكشف عن أهم عناصر هذه المأساة في اختصار00
إن أهم عناصر هذه المأساة تتمثل فى:
1-جهلنا المطبق بالإنسان- على الرغم من سعة علمنا نسبيًا بالمادة، وبطرائق التصنيع المادية، القائمة على أصول فنية راقية- ومن ثم عدم استطاعتنا أن نضع له- من عند أنفسنا- نظامًا شاملًا لجوانب حياته كلها، يتناسب مع طبيعته وخصائصه، ويحتفظ بها جميعًا في حالة تجدد ونمو وازدهار، موسوم بالتناسق والاعتدال0
2-تخبط الحياة البشرية لقيامها على أساس من هذا الجهل، منذ افترق طريقها عن المنهج الذى وضعه للإنسان صانعه الحكيم، الخبير بفطرته وبخصائصه00 المنهج المراعى فيه تلبية حاجته الفطرية الحقيقية الكاملة، وتنمية خصائصه وترقيتها كذلك، حتى تتكافأ مع الدور المقسوم لهذا الكائن ف الخلافة في الأرض، وتنمية الحياة فيها وترقيتها، واستغلال كنوزها وطاقتها كلها في التعمير والتنمية والارتقاء0
3-قيام حضارة مادية لا تلائم الإنسان، ولا تحترم خصائصه تعامله بالمقاييس الآلية- التى هى في دائرة علمنا ومعرفتنا المترقية- وبالمقاييس الحيوانية، التى أمكن دراستها في عالم الحيوانات!
4-بروز آثار هذه الحضارة وتضخمها في الأمم التى وصلت إلى قمة الحضارة المادية، سارت شوطًا بعيدًا في تطبيق المنهج الآلى الحيوانى على الحياة الإنسانية، بدون كبير اعتبار للخصائص الإنسانية الأصلية، التى تفرق (( الإنسان ) )من (( الآلة ) )ومن (( الحيوان ) )0 وظهور طلائع مفزعة، تنذر بما وراءها من دمار00
وتناول هذه العناصر بشىء من الشرح والإيضاح يكفى لتصوير حقيقة المأساة التى تعيشها البشرية بجملتها اليوم- شاعرة أو غير شاعرة- ولتصوير حقيقة الكارثة التى تنحو البشرية بجملتها نحوها- شاعرة كذلك أو غير شاعرة- كما يكفى كذلك لإثارة التطلع إلى رحمة الله لتجنيب البشرية ذلك المصير البائس، بالاستماع إلى نداء الفطرة، وصوت الله، ولو في آخر اللحظات0
هذا العنوان ليس من عندنا، إنما هو من عند (( عالم ) )أوروبى- أمريكى- لا يجادل (( علماء ) )الحضرة الحديثة في مكانته (( العلمية ) )ولا فى (( حداثة ) )نظرياته- أو دراساته بتعبير أدق- ولا في جديتها0
إنه عنوان كتاب مشهور للدكتور (( ألكسيس كاريل ) ) ( ) 0
والكاتب يعرفنا بنفسه وبكتابه في مقدمة هذا الكتاب0 وسنحتاج أن ننقل قسمًا كبيرًا من هذا التعريف في هذا الفصل، لأهميته في الاستدلال الذى نرمى إليه، وذلك قبل أن نقتبس آراء هذا (( العالم ) )الكبير عن (( جهلنا المطبق ) )بالإنسان000
(( ليس فيلسوفًا، ولكنى رجل علم فقط، قضيت الشطر الأكبر من حياتى في المعمل، أدرس الكائنات الحية، والشطر الباقى في العالم الفسيح، أراقب بنى الإنسان، وأحاول أن أفهمهم00 ومع ذلك فإننى لا أدعى أننى أعالج أمورًا خارج نطاق حقل الملاحظة العلمية0
(( إننى أحاول أن أصف في هذا الكتاب ما هو معروف بعد أن أفصله بكل وضوح عن كل مديح0 كما أعترف بوجود المجهول غير المعروف0