وإن من الواجب شكر الحكومات العربية التي أعلنت موقفها الرافض لهذا الحصار الجائر وقامت بتقديم المساعدات المالية للحكومة والشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر والجزائر، ومع هذا الشكر نطالب بالاستمرار والزيادة، مع مطالبة بقية الدول العربية والإسلامية بمثل هذه المواقف.
والله نسأل أن يثبت إخواننا في أرض الإسراء، أرض الرباط والجهاد، وأن يدفع عنهم كيد الأعداء، ويكفيهم شر المنافقين والمخذلين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
د. علي بن عمر بادحدح
المشرف العام على موقع إسلاميات
العلمانية .. التاريخ والفكرة
د . عوض بن محمد القرني
يتردد كثيرًا في وسائل الإعلام والمنتديات وعلى المنابر مصطلح"العلمانية", والقليل من الناس من غير المتخصصين من لديه معلومات دقيقة , أو مفاهيم محددة واضحة عن العلمانية, ولعلي في هذه الكتابة أسهم في بيان وتوضيح وكشف هذه الجوانب عن العلمانية , مع الاعتراف بصعوبة ذلك في الكتابة الصحفية , لما تستدعيه من الاختصار والإيجاز, ولما عودته الصحف للناس من البساطة والخطابية وعدم التوثيق العلمي الأكاديمي المتعارف عليه في الجامعات.
أصل العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية"secula صلى الله عليه وسلم ism", وهي من العلم فتكون بكسر العين , أو من العالم فتكون بفتح العين , وهي ترجمة غير أمينة ولا دقيقة ولا صحيحة , لأن الترجمة الحقيقية للكلمة الإنجليزية هي"لا دينية أو لا غيبية أو الدنيوية أو لا مقدس", لكن المسوقون الأول لمبدأ العلمانية في بلاد الإسلام علموا أنهم لو ترجموها الترجمة الحقيقية لما قبلها الناس ولردوها ونفروا منها, فدلسوها تحت كلمة العلمانية لإيهام الناس أنها من العلم, ونحن في عصر العلم, أو أنها المبدأ العالمي السائد والمتفق عليه بين الأمم والشعوب غير المنحاز لأمة أو ثقافة .
وكان أول من طرح هذا المصطلح في الساحة الثقافية العربية نصارى بلاد الشام في القرن التاسع عشر , وكان أول من طرح هذا المصطلح - حسب علمي -"إلياس بقطور"وهو نصراني لبناني في معجم (عربي / فرنسي) ثم طرحه بعده"البستاني"في معجميه الذَين ألفهما .
• العلمانية بضاعة غربية:
لقد نشأت العلمانية في الغرب نشأة طبيعية نتيجة لظروف ومعطيات تاريخية - دينية واجتماعية وسياسية وعلمانية واقتصادية - خلال قرون من التدريج والنمو الطبيعي ، والتجريب والتكامل , حتى وصلت لصورتها التي هي عليها اليوم , وأهم هذه الظروف والمعطيات التي برزت وأنضجت التجربة العلمانية في الغرب هي:
1-طبيعة الديانة النصرانية ومبادئها الأساسية التي تقوم على الفصل بين الدين والدنيا , أو بين الكنيسة والدولة ونظم الحياة المختلفة , فهي ديانة روحية شعائرية لا شأن لها بنظم الحياة وشؤون الحكم والمجتمع , يعبر عن ذلك الشاعر النصراني"دع ما لله لله , وما لقيصر لقيصر"..! ولهذا فإن النصارى أممًا وشعوبًا حين يندفعون للبحث عن تنظيم أمور حياتهم, في العلمانية أو غيرها, لا يشعرون بأي حرج من ناحية دينهم ومعتقداتهم , بل إن طبيعة دينهم تدفعهم لهذا الأمر , ولذلك فإن نشأة العلمانية وانتشارها وسيادتها في المجتمعات الغربية أمر طبيعي .
2-الصراع الذي نشأ بين الكنيسة والكشوف العلمية في جوانب الحياة المختلفة , فعلى الرغم من أن الديانة النصرانية ديانة روحية صرفة إلا أن المؤسسة الكنسية تبنت بعض النظريات العلمية القديمة في بعض العلوم , ثم بمرور الزمن جعلتها جزء من الدين يحكم على كل من يخالفها بالردة والمروق والهرطقة , وحين تطورت العلوم الطبيعية تبين أن الكثير من تلك النظريات كانت خاطئة وخلاف الصواب والحقيقة , وانبرت الكنيسة تدافع عن تلك الأخطاء باعتبارها من الدين , واشتعلت الحرب , وسقط ضحايا التزمت الخرافي والتعصب الأعمى غير المبرر من علماء الطبيعة ما بين مقتول ومحروق ومشنوق , ومارست الكنيسة أقصى درجات القمع الفكري والبدني على معارضيها بزعمها , وجنت الكنيسة على الدين حين صورته للناس دين الخرافة والدجل والكذب , بسبب إصرارها على أن تنسب إليه ما هو منه براء .
وحين تكشفت للناس الحقائق وقامت البراهين القاطعة على صحة أقوال أهل العلم انحازوا للحقيقة ونبذوا الكنسية ودينها ، أو على الأصح ردوا الديانة النصرانية المحرفة إلى أصلها وطبيعتها وحقيقتها ، لا شأن لها بالعلم والحياة والنظم والكشوف ، فكان ذلك دفعة جديدة لسادة العلمانية ، تدعمها الكشوف العلمية والعقول المفكرة ، وقد أدى انتصار العلم في النهاية إلى ثورة علمية وكشوف جغرافية ، فكان أن …:
3-قامت في الغرب حركة اجتماعية فكرية سياسية شاملة نفضت غبار الماضي ، وثارت على كل قديم ، واحتدمت نيران الصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة والقوى القديمة التي يمثلها الإقطاع وطبقات النبلاء ، وانحازت الكنيسة أيضًا للقوى القديمة ، بينما كانت القوى الجديدة تطالب بالحريات المساواة ، وترفع شعار حقوق الإنسان ، ويدعمها العلم وحقائقه ، وتطور الحياة وسنتها ... فالتفت الشعوب والجماهير حول القوى الجديدة الداعية إلى التقدم الاجتماعي والتطور الفكري والسياسي ، وكان يدعم هذا التوجه ما عاشته الشعوب من ظلم واستغلال بشع في ظل الإقطاع والكنيسة ، وكانت العلمانية اللادينية هي اللافتة والراية التي اجتمعت القوى الجديدة تحتها, وبانتصار هذه القوى انتصرت العلمانية, واندحرت النصرانية وأخذت القوى الجديدة تبشر بعصر جديد يسعد فيه الإنسان، وتحل جميع مشكلاته، ويعم السلام والرفاهية والرخاء جميع الشعوب، وهو ما لم يتحقق إلا بعضه كما سنرى بعد قليل .
• نتائج العلمانية في الغرب:
حين تحرر الإنسان الغربي من سيطرة الكنيسة والإقطاع تحرر من سيطرة الخرافة والدجل والظلم، ورافق ذلك بزوغ فجر التقدم الصناعي والثورة العلمية، وحين أخذت الشعوب الغربية بالنهج العلماني الجديد في إطار المستجدات العلمية والفكرية والسياسية الجديدة كانت نتائج ذلك:
أ- التقدم العلمي الهائل:
إذ أن العقل الغربي الذي كان أسير الأساطير تاريخيًا، والخرافة دينيًا وعلميًا، تحرر من ذلك كله وانطلق يبحث ويجرب ويفكر ويتقصى ، فأبدع في هذا المجال بما لم تعرفه البشرية في تاريخها، وقدم الغرب للإنسانية من نتائج علمه ثورة صناعية هائلة غيرت وجه الأرض وطبيعة علاقة الإنسان بالبيئة المادية من حوله .
ب- الرخاء الاقتصادي الواسع الذي أصبحت تعيشه الشعوب الغربية ولم تحرمه شعوب العالم الأخرى:
إذ إن منجزات العلم وظفت في العديد من جوانبها لرفاهية الإنسان في ضرورياته من غذاء وكساء وعلاج وسكن وخدمات، بل تجاوز كثير من الشعوب توفير الضروريات إلى التوسع في الكماليات بصورة مميزة لم تعرف لها البشرية مثيلًا في الجملة وبصورة عامة .
ج- الاستقرار السياسي:
واستبعاد صور وأشكال العنف في التعبير عن الآراء والتوجهات السياسية ، وترسيخ آليات وأخلاقيات وقوانين وأعراف للحوار أو الصراع السياسي، وتوفير ضمانات للحريات السياسية في آلياته ووسائله وأساليبه- لا في فلسفته ومحتواه الفكري- أمن وسلام على الشعوب الغربية بعد عصور الدماء والتطاحن والثورات ، وأصبح مثالًا يحتذى من كافة شعوب الأرض ، ويسعى الجميع لاستيراده وتطبيقه باعتباره نهاية التاريخ ، وغاية التطور، وسقف الحضارة الذي لا يمكن تجاوزه .
د- احترام حقوق الإنسان وحرياته: