ولهذا فانني ادعو الى التوبة والرجوع وطلب المغفرة من الله تبارك وتعالى وأقامة الصلاة قلبا وقالبا لاْن الصلاة ، إن قصد بها وجه الله تعالى ، فلا بد أن تنهى عن الفحشاء والمنكر). كما قال تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) 45 العنكبوت .
ربنا تقبل منا وأرحمنا وأغفر لنا أنك أنت السميع العليم، وصلي اللهم على نبيك محمدا، المبعوث رحمة للعالمين … وآخر دعوانا أن الحمد لله رب ألعالمين …
أنتهى
لإبداء أية تعليقات أرجو عدم التردد في مراسلتي على:
{ ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } [*]
أ.د. عبدالكريم بكار
في هذه الآية الكريمة إخبار عن قاعدة من قواعد الخلق ، وناموس من نواميس الوجود ؛ وهي في الوقت نفسه: دليل على أن القرآن من عند اللطيف الخبير الذي أحاط بكل شيء علمًا .
إن المعرفة والتقدم العلمي الذي كان متوفرًا في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- لايمكِّن على أي نحو من الكشف عن قاعدة (الزوجية) في الوجود ، بل إن ما كان في حوزة الناس آنذاك من استقراء واطلاع لم يكن كافيًا للكشف عن ظاهرة (الزوجية) في (الأحياء) فضلًا عن ميادين الوجود المختلفة ، وإن الكشوفات الكونية المتسارعة ؛ تميط اللثام في كل يوم عن أشكال من التزاوج والاقتران والارتباط في ميادين الحياة كافة ، وعلى مستويات مختلفة ، ابتداءً بالذرة ، وانتهاءً بالمجرة ؛ مما يُضيف شواهد جديدة على صدق محمد -صلى الله عليه وسلم- .
ولنا مع هذه الآيات وقفات عدة ، نوضحها في الحروف الصغيرة الآتية:
1-إن فَطْر الله (جل وعلا) للكون على المزاوجة دليل إضافي على المغايرة بين المخلوق والخالق المتفرد في ذاته وصفاته وأفعاله ؛ حيث إن ما يترسخ في الخبرة البشرية على الدوام من أن الخلق واحد ، ويخضع لقوانين واحدة ، وتحكم حركتَه ونموه وانهياره قواعدُ واحدة .. إن كل ذلك يدل على توحد الخالق (جل ثناؤه) الذي أوجد كل ذلك التنظيم الدقيق المعجز .
وفي ختم الآية بقوله ] لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ إشارة واضحة إلى هذا المعنى ، حيث يدرك الناس تفرد الخالق وأَحَديته من خلال ما يشاهدون من ظواهر تزاوج الأشياء وتركيبها ، وارتباطاتها ، وتوازناتها على نحو يستحيل معه العبث ، والارتجال والمصادفة .
وكأن في الآية بعد هذا وذاك إيحاءً إلى أهمية استثمار المعرفة بسنن الله في الخلق في غرس الإيمان وتقويته ، والارتقاء في إدراك واجبات العبودية وآدابها .
2-إن ظاهرة الزوجية ليست دليلًا على وحدانية الخالق (جل وعلا) فحسب ، وإنما هي دليل على نقص المخلوقات وافتقارها لغيرها ، حيث لا تتحدد معاني الأشياء وقيمها الحقيقية من خلال ذواتها ، وإنما من خلال كونها أجزاءً في تركيبات أعم ، وفي هذا الصدد فإنه يمكن القول: إنه عند تدقيق النظر لا يخلو شيء عن تركيب ! .
لولا معرفة الناس بالقبح لما كان للجمال أي معنى أو قيمة إضافية ؛ ولذا قالوا: إن للشوهاء فضلًا على الحسناء ؛ إذ لولاها لما عُرف فضل الحسناء .
ما فضل التنظيم لولا الفوضى ، والذكاء لولا الغباء ، والغنى لولا الفقر ، والفضيلة لولا الرذيلة ، والنهار لولا الليل ، والحلو لولا المر ... أشياء لا حصر لها ، ولا تستمد قوامها من ذاتها ، وإنما من خلال غيرها ! !
وهكذا: فالخلق ، وما يَتَغَنّوْنَ به من خصائص فقراء فقرًا مزدوجًا ، فقرًا إلى الخالق الموجد ، وفقرًا إلى مخلوق آخر ، يجعل له معنى !
ومن وجه آخر: فإن طبيعة العلاقة الزوجية تميل إلى المرونة ، وذات أوساط متدرجة ؛ فالغنى درجات ، وكذلك الفقر ، وقل نحو ذلك في الذكاء والغباء ، والجمال والقبح ، والاستقامة والانحراف ... حيث تلامس أدنى درجات الأول أعلى درجات الثاني ؛ مما يشكِّل مناطق برزخية متأرجحة ، هذه الوظيفة للعلاقات الزوجية تكسر من حدة تفرد كل طرف ، وتجعل الخصائص الفائقة نسبية ، فتتطامن ، وجوانب النقص اعتبارية ، فتشمخ ، وكأنها بذلك تتهيأ للتعاون والاندماج عوضًا عن التنافس والصدام .
وكأن ذلك يوحي إلينا بإيجاد الأرضيات المشتركة ، والعدول عن النفخ في الخصوصيات الاجتهادية الذي يحولها إلى حواجز منيعة وقواطع حقيقية بين أبناء التيار الواحد ، والأمة الواحدة ! ، وهكذا: فإذا كنا عاجزين عن أن نستشف من النصوص ما يساعدنا على صياغة علاقات ومواقف جيدة ومنتجة .. فإن علينا أن نتعلم من إيحاءات السنن الكونية ما نُصلح به حياتنا الاجتماعية ، وعلاقاتنا الأخوية ؛ حيث إننا في نهاية الأمر جزء من الظاهرة الكونية الكبرى .
3-الإخصاب أوضح نتائج التزاوج بين الأشياء ، وهو أوضح ما يكون في التقاء الأزواج من الإنسان والحيوان ؛ فمن خلال لقاء الزوجين يتم حفظ النوع وإعتاؤه بنسل على درجة كبيرة من التنوع والتعدد .
ولا يقلّ الإخصاب في الأشياء المعنوية والمادية عنه في الكائنات الحية ؛ فمن عناصر الأرض التي لا تزيد عن المئة إلا قليلًا يوجد بين أيدي الناس اليوم ما يزيد على مليونين من المصنوعات ! ، وعلى الرغم من صرامة القوانين والخصائص الكيميائية يوجد في الأسواق ما يزيد على ثمانين ألف نوع من المركبات الكيميائية ، كما أنه يطرح منها في الأسواق كلّ عام أكثر من ألفي نوع جديد ! .
هذه الخصوبة الهائلة هي نتيجة مباشرة لألوان التزاوج التي تتم بين العناصر المختلفة .
ومما لا ينبغي أن يعزب عن البال أن اللقاء السعيد بين العناصر المختلفة يجب أن يتسم بالمزيد من العناية والدقة والتجربة ، إذا ما أردنا إنجابًا وخصوبة على مستوى عالٍ من الجودة ؛ ولهذا السبب أخذ التقدم في علوم الكيمياء يعتمد على الرياضيات أكثر فأكثر ، وقد كان من قبل يعتمد على التجربة ، حيث تمنح الرياضيات مستويات من الدقة ، لا توفرها التجربة .
وقد أصبح من مقاييس التقدم العلمي الشائعة: قدرة دولة من الدول على إنتاج (المواد الجديدة) ذات المواصفات الفائقة ، والمواد الجديدة لا تتخلق إلا من خلال التزاوج بين عناصر لم يسبق لقاؤها على النحو الجديد ، وبالنسب الجديدة .
اللقاء بين الأفكار والثقافات لا يقل خصوبة عن اللقاء بين العناصر الطبيعية ، وهو الآخر يحتاج حاجة ماسّة إلى وعي وفطنة وحذق ، حتى يكون منجبًا ، والقاعدة في هذا: أنه إذا التقت فكرتان ضمن شروط إيجابية ، فإنه ينتج عن ذلك اللقاء فكرة ثالثة ، هي أرقى منهما جميعًا ؛ حيث تؤدي المزاوجة بينهما إلى نضج وتبلور كل منهما ، وحيث يتخلص كل منهما من أجزائه المعطوبة من خلال المقارنة ونمو الوعي النقدي ، لكن ذلك لا يتم إلا إذا اتّسم حاملو الفكرتين بالكثير من الموضوعية والشفافية والهدوء والمرونة الذهنية والرؤية المركبة ، ونحن نلاحظ في هذا السياق أن أكثر من يذهب من إخواننا للدراسة في الغرب ينقسمون إلى فريقين:
فريق يُفتَتَن بما يراه هناك من تنظيم وتقدم صناعي ورعاية لحقوق الإنسان ، فيشغله ذلك عن إدراك بذور الانهيار في تلك المجتمعات ، وجوانب التخلف فيها ، ويؤدي ذلك به إلى الزهادة فيما لديه ، والاستحياء من طرحه على مسامع القوم .
أما الفريق الثاني: فإنه بِداعٍ من الكبر أو الخوف ينغلق على نفسه ، ويتتبع بجدية نادرة كل الجوانب السلبية لديهم ، لكنه يعجز عن تلمس أسرار النهوض والخيوط الدقيقة التي تمد التقدم المادي الهائل الذي أحرزوه بالحيوية والاستمرار .