فهرس الكتاب

الصفحة 2176 من 2255

فهو تاريخ من الحرب الدائمة القائمة والمعلنة على عالم الإسلام، ذلك الذي جعل فقهاءنا يقسمون العالم إلى"دار إسلام"و"دار حرب"..أما الإسلام فأنه يريد لهذا العالم أن يكون:"دار إسلام"، و"دار دعوة"الإسلام.. وفي ظل نظام دولي وعالمي عادل، يصبح العالم بأسره في الرؤية الإسلامية،"دار عهد"، تحكم علاقات دوله وشعوبه وحضاراته"عهود ومواثيق"هذا النظام العالمي وآليات مؤسساته العالمية والدولية.. وتصبح الشعوب غير المسلمة"أهل عهد.. وأمة دعوة".. فيسقط تعبير"دار الحرب"، من رؤية الفقه الإسلامي للعلاقات الدولية، إذا طوى الآخرون صفحة الحرب التي أعلنوها على الإسلام.

أما"النظام العالمي"المعاصر، كما تجسده موازين القرى في"المؤسسات الدولية"، و"الممارسات الواقعية"، فإنه في الحقيقة:"نظام غربي"، يمثل"الطور المعاصر"للنظام الاستعماري الغربي الحديث، ويمارس الهيمنة والاستغلال ضد أمم وحضارات الجنوب، وفي مقدمتها الأمة الإسلامية..

إن"عالمية أي"نظام"لا يمكن أن تتحقق إلا إذا راعت مواثيقه ومؤسساته الخصوصيات الحضارية والعقدية والثقافية للأمم والحضارات المتميزة في هذا العالم."

و"المؤسسات الدولية"لا يمكن أن تكون (دولية) حقا إلا إذا راعت المصالح العادلة لمختلف الدول التي تتمتع بعضوية هذه المؤسسات..

تراعي ذلك في"التمثيل"بالمؤسسات - العامة والفرعية - .. وفي اتخاذ القرارات.. وفي حق الاعتراض على القرارات -"النقض .. الفيتو"-.. وفي معاير تطبيق"القرارات.. وفي توزيع العوائد المادية والثقافية والعلمية والفنية للمؤسسات والمنظمات الدولية المتخصصة.."

وبذلك وحده يكتسب"النظام"صفة"العالمية"حقا.. وتكون - مؤسسات هذا النظام، بحق، مؤسسات دولية..

ونحن نريد لعالمنا نظاما عالميا عادلا، يسعى لتحقيق التوازن - أي العدل - بين شعوب العالم وأممه وحضاراته.. ونعلم أن ذلك لن يتحقق بمجرد التمني ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سواء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا النساء 123. وإنما طريقنا إليه إقامة النظام العربي والنظام الإسلامي الذي يجعل من أمتنا وإمكاناتها كتلة ذات وزن في مكونات هذا النظام.

الإساءات للإسلام.. ضرورات التعامل الحضاري

نبيل شبيب**

متظاهرون من الحزب الإسلامي المعارض بماليزيا مطالبين البابا بالاعتذار والتوقف عن الإساءة للإسلام

تعددت محاولات تعليل الإساءات المتتابعة على مستويات مختلفة ومن مصادر متعددة تجاه الإسلام والمسلمين، حتى أصبحنا نحقق بأنفسنا أهم أهداف تلك الإساءات، وهو"الاعتياد"على رتابة تواترها، واضمحلال ردود الأفعال عليها، فيما يشبه عملية غسيل دماغ جماعية.

وبدا وكأنه علينا التعامل مع هذه الإساءات بأسلوب"الواقعيين"المحدَثين، وروح الانهزامية والتسليم، أو عبر الخلط بين إدانة من يلجأ إلى القوة المشروعة مقاومة وإدانة من يمارس العنف غير المشروع إرهابا، أو مثل استخدامنا"تعابير العدو ومفاهيمه ومصطلحاته"التي وضعها لقضايانا ولرؤيته التاريخية والحاضرة والمستقبلية لنا ولها، فأصبحنا ننشرها بأنفسنا، أكثر منه، بأقلامنا وحناجرنا، في وسائل إعلامنا وفكرنا.. ونحن نحسب أننا نساهم في"توعية أنفسنا"!.

وعليه، فقد أصبحنا في حاجة ماسة إلى صيغة شمولية/ إستراتيجية، وقيادات ميدانية، وخطوات عملية، ويدور الحديث هنا عن الصيغة الشمولية فقط، إذ منذ عقود لا تنقطع الإساءات في الغرب للإسلام والمسلمين في الكتب والمجلات، والمسرحيات والأفلام، والإعلام الإخباري والترفيهي، والمناهج الدراسية وحتى البحوث العلمية، وهي إساءات انتقلت في الغرب من دعايات تجارية لبعض الشركات، مثلما كان مع إساءة"والت ديزني"، ومن الاستهزاء مثلا في الأوساط الشعبية في ألمانيا بالقول"أُقسم بلحية النبي"، وكان مصدرها روايات"كارل ماي"الذي لم يكلف نفسه عناء دراسة الإسلام نظريا ولا زيارة بلاده التي كتب بعض أساطيره عنها، إلى إساءات لا تعبر فقط عن فكر منحرف أو جهل غير مقصود، بل تقترن الإساءات بخطوات عملية، تنسجم مع مضمونها، وتطبق مقتضياته على أرض الواقع، حتى في حالة اعتبارها"زلة لسان"، أو الاعتذار عنها، مع تجنب تكرار ذكرها بلفظها.

ومن أراد مثالا فليس مثال"الإسلام عدو بديل"ببعيد، ولم يعد يردده بهذه الصياغة أحد من المسئولين في الغرب بعد طرحه على ألسنتهم في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولكن ألا نشهد على أرض الواقع أن الإسلام أصبح فعلا هو العدو البديل، على أرض الممارسات الواقعية، وعلى صعيد السياسات الرسمية، والحروب الوقائية والعدوانية، ومشاريع تغيير المناهج والخرائط الجغرافية، وغير ذلك من الصور التطبيقية؟.

من هنا فإن بعض المشاريع العملية الطموحة التي طُرحت ردا على الإساءة الكاريكاتورية، شهدت حماسة كبيرة، ثم لم يبق منها إلا القليل، إذ تقف حدود التأثير عند الأوساط الإسلامية، ونادرا ما يصل التأثير إلى الجهات المستهدَفة أو المفروض أن تكون مستهدفة، فكأن المطلوب من ردود الأفعال، أن تصل إلى درجة معينة من طمأنة النفس أننا صنعنا الواجب، لمجرد اجتماعنا وحوارنا عن ذلك الجواب، أو لمجرد"تهديد الآخر بأداء واجبنا لردعه".. وكفى، بانتظار جولة قادمة!.

خلل على مستوى الشعوب والنخب

في متابعة"الإساءة البابوية"- باعتبارها الأقرب زمنيا - انطلقت الأقلام كالمعتاد تحليلا وتعليقا ومناشدة واحتجاجا، وشارك هذا القلم فيها، وكأن كل صاحب قلم أراد ألا يغيب عن ساحة"الحدث"، ففريق يتناول المحاضرة، وآخر يعرف بصاحبها، وثالث يشرح الظرف التاريخي للاستشهاد المستهجَن فيها، ورابع يفصل في الخلفية العقدية الكاثوليكية، وخامس يدعو إلى غضبة جماهيرية، وسادس يطالب بخطوات سياسية رسمية... وهكذا، فلم يبق جانب من الجوانب إلا واكتمل الحديث عنه.

ولكن هل أوصل الكلام إلى حصيلة عملية"مستديمة"النتائج؟.. ولا يعني هذا السؤال عن اعتذار البابا الكاثوليكي أو عدم اعتذاره، ولا عن جعل التعامل معه"درسا بليغا"لسواه.. إنما المقصود أصل القضية فيما يتعلق بالعلاقات البشرية والدولية، وألا تكون دوما على حساب الإسلام والمسلمين، بل أن يصبح الوضع بمستوى أن يجد المسيء داخل بلده واتباع توجهاته الدينية أو غير الدينية، من يواجهه ويضع حدا لإساءته، قبل أن يفجر بها موجة جديدة من المقدمات أو العناصر لحرب حضارية أو دينية أو ثقافية.

يمكن في البحث عن مكمن الخلل إيراد استشهادين يعبر الأول -على الأرجح- عن رؤية معينة من القاعدة الجماهيرية، ليست هي الوحيدة بطبيعة الحال، ويعبر الآخر عن وجهة نظر فريق من المسلمين في الغرب، ولا يعني أنها وحدها السائدة لديهم.

الاستشهاد الأول من رسالة شبكية بقلم"نوارة نجم"من مصر، اختلط فيها الغضب مع روح الإخلاص، وترد فيها على شاب كتب لها كلمات باللهجة العامية الدارجة منها:"إحنا بقى ممكن ياخدوا مصر وكل الدول العربية بس ماحدش يقول كلمة واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم"، فكان من كلماتها في التعقيب:"في يوم أن دخلت القوات الأمريكية النجف الأشرف سمعت العراقيين وهم يقولون للقوات الأمريكية مثلما قال هذا الشاب: احتلوا المدينة لكن لا تقتربوا من مرقد الإمام علي"! وتتساءل الكاتبة:"نحن ندافع عن الإسلام؟ أين الإسلام؟".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت