فهرس الكتاب

الصفحة 2177 من 2255

الاستشهاد الثاني من مقالة للأستاذ صبحي غندور، رئيس مركز الحوار العربي في واشنطن، ويقول فيما يقول فيها:"كيف يطالب البعض في مصر أو الأردن أو فلسطين بطرد سفير الفاتيكان ولا يتحركون لطرد الدبلوماسيين الإسرائيليين من القاهرة وعمان والدوحة وغيرها؟! لماذا سياسة"القوة على الضعيف والضعف أمام القوي"، ولماذا تضيع الأولويات في صراعات المنطقة وقضاياها، ولماذا إثارة المشاعر العنفية على"الحديث البيزنطي"لبابا الكنيسة الكاثوليكية ولا يتم التحرك والغضب الفاعل تجاه ما يحدث في الأمة من احتلال وفتنة وتمزيق وظلم وغياب للعدل السياسي والاجتماعي؟ لماذا تغيب"الرقابة الإسلامية"عن حال المسلمين في بلدانهم وعن الأخطار الحقيقية المحدقة بهم؟".

وهذا -من منطلق قومي عربي- مما يلتقي مع ما كتبته وسام كمال من منطلق إسلامي في إسلام أون لاين، ومنه:"غني عن الذكر أن ديننا وإنسانيتنا وثقافتنا؛ تتم محاربتهم من الخارج (الغرب) والداخل (الحكومات) . فإذا كنا نتجبر أمام محاربة الغرب لنا، فلماذا لا نغضب أمام الاحتلال، وهدم المساجد، ومصانع التعذيب بجوانتنامو، والحملة الثقافية التي تنشد تشويه أفكارنا ومعتقداتنا وثقافتنا وعاداتنا؟".

وأحسبها مست مكمن الخلل بقولها أيضا"من أهم الثمار التي خرج بها مؤتمر نصرة النبي بالبحرين -المنعقد في مارس 2006- إنشاء المنظمة العالمية لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لتكون هي الإطار الجامع والمنظم لاستمرار المؤتمر وتواصل أعماله. ويتبع المنظمة أربعة مكاتب هي: مكتب النصرة الاقتصادية، مكتب النصرة القانونية، مكتب التنسيق والاتصال، المكتب العلمي والإعلامي، وكذلك إنشاء الصندوق العالمي لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التابع للمنظمة؛ لتمويل مشروعاتها وأنشطتها. ولكن المنظمة التي كان من المفترض أن تقف أمام تصريحات البابا، لم يُسمَع لها صوت، وبدت توصيات المؤتمر دخانا تبخر سريعا، ولم يُؤتِ أكله".

في حدود هذه الاستشهادات وفي حدود الإيجاز الشديد يبدو مكمن الخلل في مستويين:

1-على المستوى الشعبي: إننا نثور ونغضب بصيغة ردود الأفعال، ودون ترتيب الأولويات وفق ما هي مرتبة في الإسلام نفسه، الذي نقول إننا نغضب له.

2-على مستوى النخب: إن كثيرا من القرارات الكلامية والخطوات العملية، إما أنها كواقعنا على المستوى السياسي، حبر على ورق، ودخان بلا نار، أو أنها قائمة على تصور غير مكتمل، فلا يمكن أن تحقق على أرض الواقع الهدف المطلوب منها نظريا. هذا بغض النظر عن الخلل القائم من الأصل على المستوى الرسمي.

ضرورة الرؤية الشمولية

من أمام المسجد الأقصى متظاهرون فلسطينيون يطالبون البابا بنديكت بالاعتذار 22 سبتمبر 2006

إن الإساءة"البابوية"ومن قبلها"الكاريكاتورية"، وما لا ينقطع من"الإساءات"العدوانية، بينها جميعا قاسم مشترك هو ظاهرة"الخوف المرضي من الإسلام"/ إسلاموفوبيا، والواقع أنه الخوف"على الذات"، فالعلمانيون صانعو الحياة في الغرب يخافون على علمانيتهم بعد ازدياد انحرافها وإفلاسها على صعيد جنس الإنسان وكرامته وحقوقه، وأصحاب العقائد الدينية -كالكنيسة الكاثوليكية- خائفون على عقائدهم ومؤسساتهم ومواقعهم بعد العزوف الواسع النطاق عنها وضمور دورها شعبيا لا سياسيا فقط، والسياسيون وصانعو القرار من ورائهم من مراكز القوى المادية خائفون على هيمنتهم على ثروات العالم ومقدرات شعوبه ودوله، والإخفاق المنتظر لهجمتهم الجديدة تحت عناوين العولمة والهيمنة.

ومن ثم باتت هجمة هؤلاء الشرسة المعاصرة على الإسلام أشبه بالهروب إلى الأمام، أو وفق قاعدة الهجوم"العسكري الوقائي"خير وسائل الدفاع"الفكري الحضاري". ولم يفلح الغرب فيما كان الإسلاميون يسمونه الغزو الفكري والثقافي والاجتماعي والأخلاقي، الذي امتد أكثر من قرن كامل، في منع ظاهرة الصحوة الإسلامية من الولادة قبل أربعة عقود، والتنامي حتى اليوم، بغض النظر عن طرح نقاط الضعف ونقاط القوة فيها.

وبدأ يسود الاقتناع بعد رفع شعار"الإسلام عدو بديل"وتطبيقه في عسكرة الهيمنة، أن استخدام القوة الإجرامية المطلقة لن يفلح أيضا، فباتت المشكلة مشكلة التعامل مع انتشار الصمود والمقاومة، والتعامل مع العجز عن محاصرتهما أو إخمادهما، وليست مشكلة تبديل حكومات بحكومات ومناهج بمناهج وأشخاص تابعين بأشخاص تابعين.

إن الخوف"على الذات"هو مصدر كثير من الإساءات والاعتداءات على اختلاف صورها وأشكالها وصيغ إخراجها.. ولكن الرد الإسلامي لا بد -كي يكون إسلاميا فعلا- من أن يكون حضاريا.

إن الإساءة مع الافتراء لا ترد بافتراء وغضب لا سيطرة عليه، والعدوان مع الإجرام لا يرد بإجرام.

نحن لا نواجه إساءات بين الحين والحين فقط، لتنبني عليها ردود أفعال فقط. إنما نواجه مخططات وتحركات شاملة، وهذا ما يفرض أن يكون الرد قائما على صيغة شمولية، تنطوي على عمل دائب لا وقتي، مخطط لا ارتجالي، منظم لا عشوائي، منضبط بضوابط الإسلام وغاياته الحضارية وفي مقدمتها"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، لا انفعالي.

جميع ذلك لا يتحقق بأن ننتظر الإساءة التالية، كي تنعقد المؤتمرات، وتسير المظاهرات، وتلقى الخطب، وتكتب المقالات، ثم تهدأ الأمور شيئا فشيئا، بانتظار الحلقة القادمة!.

ولتحقيق الهدف بصورة عامة لا نحتاج إلى منظمات وهيئات وقيادات إضافية بل إلى إحياء المنظمات والهيئات القائمة لتكون فعالة على أرض الواقع لا المواقف فقط، خاصة ما اكتسب منها تدريجيا ثقة جماهيرية واسعة، تؤدي مسئولياتها الكبرى في الظروف المعقدة القائمة حاليا، وعلى أكمل صورة ممكنة، وفي مقدمة تلك المسئولية أن ينشأ من ورائها جيل جديد من القيادات الشابة.

أفكار مبدئية

من أجل أعمال دائمة لا وقتية، وقيادات فاعلة لا منفعلة بالحدث، وتحقيق أهداف مرحلية نحو الأهداف البعيدة، نحتاج أول ما نحتاج إلى صيغة شمولية/ إستراتيجية، تتضمن رؤية عميقة شاملة لواقع العالم والعصر وواقعنا، كما تتضمن مخططات مدروسة لتحديد أهم عناصر التعامل مع هذا الواقع، ما الأولويات فيه، ما الدرجات والأشكال الأنسب للتفاعل معها، مَا الجهات التي تستوجب منطلقاتها المعادية وأعمالها المعادية مقاومتها، وتلك التي ينبغي كسبها أو تحييدها، ما وسائل التواصل بين العناصر الفاعلة في نقل التوجيهات العامة التي باتت تصدر عن بعض الجهات كالاتحاد العالمي للعلماء، إلى صيغ عملية مناسبة، في كل موقع محلي على حدة، وغير ذلك مما يطول المقام بسرد عناوينه، ناهيك عن التفصيل في مضمونه.

وواضح أن هذا الواجب الضخم الذي ترتبط به واجبات فرعية آنية عديدة، وحملَ هذه المسئولية التي تتفرع عنها مسئوليات جزئية كبيرة جسيمة، يتطلب أن يتلاقى على أدائه فريق من الخبراء والمتخصصين، من أصحاب الفكر والعلم، على أن يكونوا من ذوي الرؤية بأبعاد شمولية/إستراتيجية، كما يتطلب أن تكون الصيغة الشمولية المرجوة نفسها واضحة، منطقية، ومقنعة بما فيه الكفاية، لتجد عبر خصائصها الذاتية ما يحقق لها الاستيعاب والقبول والتفاعل لدى النسبة الأعظم من الشعوب ومن النخب.

والدعوة إلى ذلك هي الهدف من هذه السطور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت