وفي نطاق المادة هذه الإفادة مما سخر الله تعالى للإنسان من مذخور الكنوز ومكنون الخيرات، وتوجيهها نحو كل خير للإنسان، وسائر ما خلق الله من شيء، فلا ازدراء للمادة، ولا كراهة للإنتاج المادي المسخر للمنافع دون المضار، ولا مغالاة أيضًا في قيمة هذا الإنتاج، حتى لا يكون أكبر الهم، ومبلغ العلم، ومنتهى الأمل، وكي لا تكون الغاية وفرة المكاسب، وتضخيم الأرصدة، بل ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
وفي نطاق الحقوق هذا التشريع الحقوقي الفذ المتفرد، الذي جاءت به هذه الشريعة المكرمة، والذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من حقوق الفرد والمجتمع والأمة، ومن واجبات كل فريق إلا أحصاه وبينه، وأوضح دقائقه، وجلى غوامضه، بعيدًا عن الأنظار البشرية القاصرة، المحدودة بحدود الأزمنة والأمكنة، سالمًا من علل الأهواء المتبعة وأوضار (2) [2] المصالح الشخصية، وأدران القوميات والعصبيات المفرِّقَة؛ لأنه تشريع رب العالمين، وحكم أحكم الحاكمين.
وفي نطاق الغريزة بإقامة العلاقة بين الرجال والنساء، على قاعدة النكاح لا السفاح واتخاذ الأخدان، وإباحة كل أنواع العلاقات المنحرفة الشاذة، بحراسة من القانون الوضعي، وتحت شعار حماية الحقوق والحريات الشخصية، لأن ميدان الأسرة هو المجال الطاهر الذي يلبى فيه نداء الفطرة، ويروى فيه ظمأ الغريزة، وتُربَّى فيه ثمار تلك الصلة الطاهرة من أجيال الأمة، تربية قويمة سالمة من أدران الانحراف، محفوظة من أوضار الضياع ومسارب البوار، وكل ذلك ـ يا عباد الله ـ مما جاء به هذا الدين، وارتكزت عليه حضارته، هو مما شهد بسموه ورفعته قادة الفكر، ورواد العلم، وكتاب التاريخ، ممن لا يعتنق هذا الدين، ولا ينتسب إليه، في شهادات منشورة، واعترافات مدونة، وأقوال معلومة مشهورة، وليست حضارة المسلمين في طليطلة وإشبيلية وغرناطة وقرطبة وغيرها من بلاد الأندلس إلا وجهًا مضيئًا ولسانًا صدوقًا ومثالًا حيًا من دنيا الواقع، لم يملك من نظر إليه وعرف أبعاده إلا أن يقر بفضله ويلهج بغَنائه، ولا عجب أن تكون لهذه الحضارة هذه المنزلة، فإنها ثمرة وحي رباني، ونتاج دين إلهي، من لدن حكيم خبير، يعلم من خلق، ويهدي من يشاء إلى سواء الصراط.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة:138] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله، إن واقع المسلمين اليوم لا يصح أن يكون باعثًا على الحكم على حضارة الإسلام، فإن مجال الحكم لا بد أن يكون على الأصول والثوابت والمبادئ والقيم، والممارسة الواقعية التي آتت أكلها وأينعت ثمارها، حين كان المسلمون يغذون السير، ويحثون الخطى، ويتبعون الهدى، ويعملون بنهج خير الورى صلوات الله وسلامه عليه، أما ذلكم التقهقر والتراجع والتخلف والهوان الذي مُني به المسلمون عقب تلك العصور الخوالي، فهذا مما لا يرتاب أولو الأبصار في أن تبعته لا تقع على الإسلام وحضارته، وإنما جريرة ذلك على من فرط وأضاع، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأعرض عن ذِكر ربه فكانت معيشته ضنكًا، وكان أمره فرطًا، وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] .
ألا فاتقوا الله ـ عباد الله ـ، وصلوا وسلموا على الحبيب رسول الله ...
(1) أي صارت ليثية النزعة.
(2) جمع وضر وهو وسخ الدسم أو غسالة السقاء.
حضارتنا وحضارتهم
عبد الرحمن السديس إمام الحرم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1 ـ سر بقاء الشعوب ـ 2 ـ أنبل حضارة عرفها التاريخ. 3 ـ افتضاح حقيقة الحضارة الغربية. 4 ـ لا سعادة للإنسانية إلا في ظل الإسلام. 5 ـ من محاسن الدين الإسلامي. 6 ـ شواهد التأريخ على سمو وعلو الحضارة الإسلامية. 7 ـ الحق ما شهدت به الأعداء. 8 ـ الأخلاق الحربية في الإسلام. 9 ـ فضائح وفظائع الحضارة الغربية. 10 ـ افتضاح الإعلام الغربي. 11 ـ نصائح للإعلام الإسلامي. 12 ـ إرهاب اليهود. 13 ـ إرشادات وضوابط في طريق المشروع الحضاري الإسلامي. 14 ـ التحذير من أذناب الغرب الانهزاميين. 15 ـ لا مساومة على الدين والعقيدة.
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فإنها أوثق العرى، وبها تتحقق السعادة في الدنيا والفوز في الأخرى، والعاقبة للتقوى.
أيها المسلمون:
صناعة الأمجاد وبقاء الأمم يكمن في خلود الحضارات، وسر بقاء أمجاد الشعوب وخلود حضارات الأمم يكمن في مجموعة عناصر رئيسة، يأتي في طليعتها عقيدةٌ إيمانية، ومُثُلٌ وقيم أخلاقية، والمتأمل في تأريخ الحضارات الإنسانية يجد أنها تعيش تقلبات شتى، بين ازدهار وانحدار، وقيام وانهيار، بل لعل بعضها كُتب لها الاضمحلال والدمار، لفقده عناصر البقاء والاستمرار.
وأنبل حضارة عرفها التأريخ البشري هي حضارتنا الإسلامية، فما الحضارة الغربية اليوم إلا نتاج اتصالها بحضارتنا الإسلامية في الأندلس وغيرها، بيدَ أن سبب إفلاسها اعتمادها على النظرة المادية في منأى عن الدين والأخلاق، مما كان سببًا في شقاء الإنسانية، وما كثرة حوادث الانتحار والاضطرابات النفسية والانحرافات الخلقية إلا انحدارٌ سحيق وتردٍ عميق في هُوّة فنائية كبرى، يتنادى في قعرها العقلاء لاستدراك ما فات، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد.
معاشر المسلمين:
لقد تعرّت حقائق الحضارة الغربية واهتزت مصداقيتها في الاضطلاع بالمؤهلات التي تؤهلها لقيادة العالم نحو إسعاد الإنسان، وتحقيق استقراره، وضمان حقوقه، ورعاية مُثله الإنسانية الرفيعة، وقيمه الأخلاقية العليا، ليحصل له الأمن المنشود، والحياة الكريمة المبتغاة، وليس هناك من يستطيع النهوض بالمشروع الحضاري العالمي إلا أمةٌ واحدة، هي أمة الشهادة على الناس، وَكَذالِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] ، أمة الرحمة للعالمين، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ، أمة الخيرية على العالم، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، أمةٌ التمكين في الأرض، الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأرْضِ أَقَامُواْ الصلاةَ وَاتَوُاْ الزكاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ [الحج:41] .