"ومعناه أن العلماء بدأوا يتحدوا السماء... ومعنى هذا أيضًا أن الإنسان لم يعد له رب يؤمن به، ويركع في محرابه، ويصلى له، ويطلب رضاه وغفرانه، لأن المختبرات العلمية أخذت مكان الرب".
ومن هنا بدأت تتحدث وسائل الإعلام عن استنساخ الأشخاص الميتين كهتلر، ولينين، وفرعون، وعن استنساخ الديناصورات، وعن قضية إمكانية تجميد الإنسان حيًا والاحتفاظ به لأعصار متأخرة خاصة بعد أن تم في عام 99م انتاج أول طفلة من بويضة ظلت مثلجة لأكثر من عامين!!
الآيات القرآنية جميعها تشير إلى عاقبة الأمم الفاسدة والظالمة.
الأحاديث النبوية مليئة بالسنن التي يقضيها الله على الأمم إذا خالفت أمره.
الوقائع المشاهدة، اعترافات الغربيين، توقعات وفراسة علماء المسلمين.
كل تلك شواهد تحتشد لنهاية الفصل الأخير من هذه الحضارة.
ولكن تبقى أسئلة:
-ما السبب في استمرار هذه الحضارة؟!
-ومتى ستفنى وتزول؟!
-ومن يخلفها؟!
أما السؤال الثاني والثالث فعلمه عند الله، وأما السؤال الأول فجوابه أن الحضارة الغربية لا تزال تحتفظ بعوامل بقاءها كما أنها لا تزال تغذي هذه العوامل المادية منها والمعنوية، وإن كان ذلك لا يقابل عوامل فنائها التي تتلاطم كأمواج الجبال من حولها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
* مدير مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث - صنعاء
سقوط قيم الحضارة الغربية
عمر عبيد حسنة 8/10/1423
المواجهة بين المسلمين وأعدائهم لم تتوقف منذ فجر الإسلام ، مصداقًا لقوله تعالى:"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، فالمعركة مستمرة ، وإن تعددت ساحاتها وتبدلت أسلحتها ، لأن الشر من لوازم الخير ، يقول تعالى:"وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرا"فسنة التداول الحضاري من طبيعة الحياة:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"ولعل ذلك من أقدار الله الغلابة ومن ابتلاءات الخير والشر ، فالمسلمون مستهدفون بأصل إيمانهم وليس بسبب كسبهم أو فعلتهم في كثير من الأحيان ، يقول تعالى:"وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد"، وسوف تتداعى عليهم الأمم لتأكل خيراتهم وتستنزف طاقاتهم وتتحكم ببلادهم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، وسوف تجتمع عليهم ، ولن ترضى عنهم حتى يتخلوا عن دينهم ويصبحوا أتباعًا لليهود والنصارى ، وإلا فالمعركة مستمرة:"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"وهذا قد يكون طبعيًا من الأعداء ، لكن المشكلة - في غالب الأحيان - إنما تتمثل في غفلة المسلمين وسُبَاِتهم ، وعدم اليقظة إلى مكر عدوهم"ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة".
وهذا الذي أتينا على ذكره من القرآن ، يشكل قانونًا أو سنة من سن النهوض والسقوط ، والتاريخ شاهد على ذلك في القديم والحديث ، وكم غفل المسلمون أو تغافلوا عن هذا القانون ، وركنوا إلى الذين ظلموا ، ووالوا أعداء الله ، واتخذوا بطانة من دونهم لا يألونهم خبالًا ، وخودعوا بعهود ووعود ، فكان السقوط وكان التخلف ، وكانت الهزيمة الثقافية والسياسية والعسكرية ، لكن من نعمة الله على المسلمين أن تسليط عدوهم عليهم ليس تسليط استئصال وإبادة ؛ لأنهم أمة النبوة الخاتمة ، وإنما تسليط إيذاء وعقوبة على المعاصي الفكرية والسياسية والأخلاقية التي يقعون فيها ، قال تعالى:"لن يضرُّوكم إلا أذى"هذا الأذى ليس هو شرًا دائمًا بل هو - في كثير من الأحيان -خير"لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم"لأنه أشبه بالمحرّضات والمنبهات الحضارية ، التي تشعر الأمة بالتحدي وتبصَّرها بمواطن التقصير ،وتقضي على الجوانب الرخوة في حياتها ، فتستعد للإقلاع من جديد .. فالغريب أن تتوقف المعارك ويتوقف الأذى ، والغريب ألاّ يدرك المسلمون ذلك حق الإدراك ، وهم يتلون القرآن ويقرؤون التاريخ .
لقد مر على الأمة الإسلامية من الحروب والمواجهات والكيود والعداوات ما يكفي لإلغائها ، ليس من الحاضر فقط ، وإنما لاقتلاعها من الماضي أيضًا ، والذي يعرف طرفًا من هذه الحروب والمواجهات والعداوات المتسمرة ، قد لا يفاجأ بالواقع هنا وهناك ، وإنما يرى ذلك شيئًا طبعيًا ، فالشر من لوازم الخير -كما أسلفنا - .
ونستطيع أن نقول: إنه على الرغم من شراسة المعركة ، ووحشية الهجمة على الإسلام والمسلمين في كل مكان ، وضخامة الضحايا والتضحيات ، إلا أن ذلك لا قيمة له إذا ما قيس بالمكاسب التي تتحقق يوميًا لعالم المسلمين ، والحقائق التي تتكشف يوميًا أمام من كانوا غافلين عن طبيعة الصراع إلى زمن قريب ، وكانوا يحسنون الظن بقيم الحضارة الغربية ، ويتوهمون أنها قيم عالمية إنسانية ، تساهم باستنقاذ الإنسان من الظلم والعدوان ، وتمنحه الحرية والعدالة والمساواة ، وإذا بها شعارات للمخادعة والتضليل السياسي ، طرحت في بلاد المسلمين لإخراجهم عن قيم دينهم وحضارتهم ، وتأمين ارتهانهم السياسي والثقافي للغرب وحضارته وبمجرد أن تعجز هذه القيم الغربية عن تأمين العمالة الثقافية وتحقيق الغايات والأهداف ، التي طرحت من أجلها ، فإن الغرب يكون أول المضحَّين بها والمتنكرين لها ، وشواهد الإدانة واضحة في البلقان ، وفلسطين ، وأفغانستان ، وغيرها كثير .
لقد بذل الغرب جهودًا جبارة لإشاعة قيمة الحضارة في عالم المسلمين ، وبلغ في ذلك شأوًا بعيدًا خاصة بعد سقوط مرحلة الاستعمار العسكري ، وأغرى الكثير من أبناء المسلمين بمحاكاته وتقليده والانتهاء إليه والافتتان به ، فاتخذوه قبلة في ثقافتهم ولباسهم وعاداتهم وكتبهم ومناهجهم وإعلامهم وتعلمهم وطعامهم وشرابهم ، إلى درجة قد يظن معها بعض الغافلين عن سنن التداول والتدافع الحضاري ، أن الأمة الإسلامية قد تودع منها ، حيث انتهى زمام السياسة والثقافة في كثير من بلاد العالم الإسلامي إلى قيادات موالية للغرب ، تحميها حراسات مدينة للغرب في وجودها ووسائلها ومصادرها . لكن الذي نراه ونشهده اليوم في هذه الحقبة ، التي يمكن أن نطلق عليها: حقبة المواجهة الثقافية والحضارية ، بعد المواجهة الاستعمارية: أن المسلمين الذين أسقطوا الاستعمار العسكري في الماضي -على الرغم من قوته وجبروته - يسقط أحفادهم اليوم القيم الغربية ويعرونها ويكشفون زيفها .. وأن هذه المواجهة الثقافية والحضارية اليوم تعم العالم الإسلامي ، من مغربه إلى مشرقه .. وأن البلاد الإسلامية التي أسقطت الاستعمار العسكري ،هي المهيأة دون غيرها للانتصار في المواجهة الحضارية ، وإسقاط القيم الغربية ، على الرغم من تصاعد المواجهة إلى صور من المواجهات المسلحة حيث يستنفر لها اليوم كل أعداء الإسلام .