ونحن لن نزيد في الإجابة عن هذا السؤال على ما قال الإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال في كتاب الروح (ص252) : فَصْلٌ والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له وتعظيم النفس والسعي في حظها، فإن الناصح لله المعظم له المحب له يحب أن يُطَاع ربُّه فلا يُعصى وأن تكون كلمته هي العليا وأن يكون الدين كله لله وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد ناصح الله في عبوديته وناصح خلقه في الدعوة إلى الله فهو يحب الإمامة في الدين بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين أماما يَقتدي به المتقون كما اقتدى هو بالمتقين فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلا وفي قلوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يَدِهِ لم يَضُرَّهُ ذلك بل يُحْمَدُ عليه لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ويعبد ويوحد فهو يحب ما يكون عونا على ذلك موصلا إليه ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)، فسألوه أن يُقِرَّ أعينَهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يُسِرَّ قلوبهم باتِّباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة ، فإنما سألوه ما يعينون به المتقين على مرضاته وطاعته وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين التي أساسها الصبر واليقين كما قال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوابآياتنا يوقنون وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرا وباطنا التي لا تتم الإمامة إلى بها وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جلا جلاله لِيَعْلَمَ خلقُه أَنَّ هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض جوده ومنته وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغُرَفَ وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة ، وهذا بخلاف طلب الرياسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض وتَعَبُّد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم فترتب على هذا المطلب من المفاسد مالا يعلمه إلا الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحَمِيَّةِ للنفس دون حق الله ،وتعظيمِ مَنْ حَقَّرَه الله واحتقار من أكرمه الله ولا تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد ،والرؤساء في عَمَىً عن هذا فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه ولا سيما إذا حُشِرُوا في صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُم أهلُ الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا كما صَغَّرُوا أَمْرَ الله وحَقَّرُوا عباده أهـ .
هذا العرض الذي عرضه ابن القيم يُوقِفُنا على حقائق غابت عن كثير من شباب الصحوة ، أهمها في نظري أن تَقَلُّدَ المهمات الدعوية قد تستدعي التصدر في بعض الأحيان ، حيث تخلو الساحة من القائمين بالواجب ، كما فعل يوسف عليه السلام حين قال: ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) ، وليس ذلك من باب حب الإمارة وطلبها المذموم في الحديث الصحيح ، ولكنه من طَلَبِ إمامة التقوى التي طَلَبُها من صفات عباد الرحمن حيث يدعون الله قائلين: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) .
لا يمكننا أن نتصور تصدر أحد من العلماء لمنصب الاجتهاد مذموما في هذا العصر ، خاصة في حق من عرف ورعه وتقواه ، وحرصه وشفقته على حال الأمة .
والشأن أننا لا نُحَبِّذُ أنْ يَتَمَدَّح العالم بأهليته وقدراته ، ولكن تصدره لمهام هذا المجتهد إفتاءً وإفادةً ومناصحة لأولي الأمر والمسلمين عامة ليس بالأمر المذموم .
خاتمة
لا بد أن نشير إلى أمر بالغ الأهمية ونؤكد عليه في ختام هذه الرسالة المختصرة والبحث القصير ، ألا وهو أن استشراف المجتهد لهذا المنصب قد يحتاج إلى سنين عديدة حتى تجتمع عليه الكلمة ، ويتفق حوله اختيار أهل الحل والعقد .
ومثل هذه الفترة ستكون امتحانا أيضا لأعمال المتصدرين لهذا المنصب ودورهم في جمع كلمة المسلمين والجهاد بكل أنواعه في سبيل إعزاز الدين ونصرته .
كما أن هذه الفترة ستكون كافية أيضا في تفعيل دور شباب الصحوة في تنظيم صفوفهم وراء أئمة الهدى والمرجعيات التي سيكون لها الكلمة في قضايا الأمة الكبرى .
إن المستقبل القريب يحمل في رَحِمِه الكثير من الأحداث الجسام ، وما لم نَكُنْ على قَدْرِ هذا المستقبل المرتقب من النظام والتوحد والوعي فإننا سنظل نعاني نفس الهزائم التي مُنِيْنَا بها والتي نُمْنَى بها حتى الآن .
وهاهي الصحوة الإسلامية تمر بأزمة خانقة بين رموزها وقادتها ، وأهل السنة قد عظم الخطب فيهم ، وتفاقمت الفرقة بينهم ، ومالم يكن لشاب الصحوة دورهم في جمع الكلمة فإن المستقبل يحمل نذرا لا يعلم مداها إلا الله .
ولا يَسْتَخِفَّنَّ متهاون في هذا الأمر ، فالبعض يرى أن نصر الله آت لا محالة ، وهذا لا يُمارى فيه ، ولكن هل سيكون النصر على أيدينا ، أم أن الفرصة التي كان بأيدينا قد مضى زمانها ، وجاء دور الاستبدال ، ولربما كان آخرون غيرنا أحق بنصر الله منا ، فقد حملنا الأمانة وخناها ، وأعطينا الريادة فلم نتحمل مسئوليتها ، وما هو إلى التولي الذي قضى الله في التنزيل جزاءه حين قال: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) .
اللهم إنا نسألك أن تستخدمنا وألا تستبدلنا ، اللهم اجعلنا خير جندك وقادة مددك ، وأنعم علينا بثوب الكرامة في الدنيا والآخرة ، واحشرنا في زمرة ورثة الحق المبين ، وقادة النصر والتمكين ، ووفقنا لعمل الخير وخير العمل ، واجعل عملنا كله صالحا خالصا لوجهك الكريم ليس لأحد فيه شيئا يا رب العالمين ، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشيد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية ويحكم فيه بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .
إعداد الطبيب المسلم الداعية
وتجربة الكنيسة في تخريج الأطباء الدعاة للنصرانية
الدكتور ماهر حتحوت .. الولايات المتحدة
نبذة:
إن الدور الذي ننتظره من المؤسسة العلاجية الإسلامية المطلوب إنشاؤها في الولايات المتحدة هو تهيئة البيئة الصالحة، واتخاذ ما يلزم نحو إعداد الطبيب المسلم الداعية الذي يتلمس المعرفة في الحتمية الإلهية الكبرى، وهو بفضل إيمانه يصبح رسول الرحمة الإلهية التي تمتد إلى الإنسانية جمعاء،باهتمامه بالإنسان في مجموعه، جسد آ وعثتلأ، وروحآ، ولكونه طبيبأ، ولما لهذه المهنة من مكانة خاصة في المجتمع الإنساني، فهو يحمل على عاتقه مسئولية هداية الناس وإرشادهم إلى ما يحقق لهم السعادة والصحة. ولقد خطا أتباع الديانات الأخرى خطوات واسعة فتم لهم السبق علينا في هذا المضمار.
ويستعرض هذا المقال التجربة الناجحة التي قامت بها جامعة لومالندا لإعداد الطبيب المسيحي الداعية، وقد بيت هذه التجربة على ما يأتي: