إن دور شباب الصحوة في اختيار أئمة الهدى والمجتهدين والمفتين مَرَدُّه إلى أن غالب شباب الصحوة معدود في طلاب العلم، وإن تفاوتت مقادير العلوم عندهم ، إلا أن القدر المشترك بينهم جميعا أنهم الوحيدون في المجتمع الذين اتفقت كلمتهم على مرجعية أهل العلم ، وعلى تنصيبهم قادة للمجتمع ، فحري أن يكون لههم وحدهم حق الاختيار .
ومعلوم أن اختيارهم لن يكون مبينا على الهوى والعصبية لأن فرض المسألة أننا نريد أن نُفَعِّلَ هذا الاختيار بطريقة علمية نزيهة بعيدة عن أي نمط غير إسلامي .
إن اجتماع شباب الصحوة على اتباع أهل العلم عاصم لهم من الزلل في الاختيار ، وكابح لجماح أهوائهم عند اتخاذ القرار ، ومهمة أهل العلم من الآن أن يجتهدوا في تلقين شباب الصحوة فقه الاجتهاد والتقليد والفتوى الإفتاء ، مع تربيتهم على معاني الشفقة على الدين وعلى أحوال المسلمين حتى تستقيم سريرتهم وتصفو أهواؤهم من كل عصبية أو انحياز .
ومن واقع تجربتي رأيت أن هناك أسماء كثيرة تجتمع عليها الكلمة ،حتى من المخالف والمعاند ، وكأن الله كتب لمثل هؤلاء قبولا قدريا لا تملك القلوب معه فكاكا .
مثل هذا دليل ناصع على مسألة عصمة الإجماع التي تحدث عنها الأصوليون ، ومستندهم قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) رواه أحمد ، ومجرد حصول الاجتماع على بعض الاسماء دليل كاف على أن اختيارهم هذا قد بَرِئَ من وَصْمَة الهوى ، دع عنك شذوذ المخالفين ممن يَظهر لكل ذي بصيرة ابْتِنَاءُ خلافهم على أوهى الحجج والبينات .
وأَمَامَنا أئمة الهدى الذين قضوا نحبهم نماذجا واضحة لما نقول ، فهؤلاء قد اجتمعت كلمة الأمة عليهم ، ولم يشذ في نبذهم إلا مبتدع أو زائغ ، والمخالف لهم في بعض الآراء مُسَلِّمٌ لهم بالإمامة ، وهذا مُشَاهَد في خَطْبِ كل الفصائل لودهم ، وإظهار كل الجماعات الانتماء إليهم ، والرضى من الكافة بما يصدر عنهم ، نعم قد يحصل من بعض أهل العلم والدعاة هجوم على بعض فتاواهم لكن يحدث هذا مع إقرار تام بما كانوا عليه من الإمامة والأهلية للاجتهاد والفتوى .
بقي أن نتواصى حول دور شباب الصحوة في اختيار أئمة الصحوة والالتزام لهم ببيعة الطاعة والانقياد ، طاعةً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وجمعا لكلمة المسلمين ، وتحفيزا لدور الصحوة في إصلاح حال الأمة .
إن الناظر المتأمل في حال الأمة لن يجد صعوبة في معرفة الأثر الكبير الذي أحدثته الصحوة في مسار الأحداث ، حيث كان لهذه الصحوة الإسلامية بكل فصائلها الدور الأساس في محافظة الأمة على ثوابتها في غمرة الهجمات التي رامت انحرافها عن منهج الله .
واستكمالا لهذا الدور الذي قامت به الصحوة المباركة بل ورفعا لمستواه حتى يكون دورا قائدا ورائدا في استجلاب العزة والنصر والتمكين لأمتنا الغريقة ، فإننا ندعو إلى وقفة حاسمة في هذا المسار الحرج في حياة الصحوة .
إن الصحوة الإسلامية أحوج ما تكون في هذه الأيام إلى علماء ومجتهدين يكونون على قدر التبعات التي يجب القيام بها في سبيل نصرة الدين ، ووظيفة هؤلاء العلماء في هذه المرحلة الحرجة ستتجاوز مجرد إصدار الفتاوى إلى دور حمل مسئولية الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها كما كان حال أئمة الهدى رحمهم الله .
إن الجهاد المتعاظم في بقاع الأرض ، والصراع المحتدم بين معسكر الحق والباطل ، والنزال الضاري بين أهل السنة وأهل الأهواء ، وحملة التحريف والتشويه الشنيعة التي يقوم بها العلمانيون وعلماء السوء ؛ تستدعي قومة صادقة من علماء صادقين ، يكونون كالسيل الجارف ، يمر على الوادي ليطهره من كل نفايات الأفكار وزبالات الأذهان .
إن فَهْم هذا الدور الذي يجب أن يتقلده العلماء المجتهدون يستتبع أن نتواصى فيما بيننا معاشر شباب الصحوة في الأصلح لهذا المنصب ، وتتعاطف كلمتنا على تأييده ونصرته ، ألا إنها كلمة الحق التي يجب أن نصدع بها ، صيانة لأمتنا من جرأة بعض المتطفلين على هذا المنصب الخطير .
وطريق قيام شباب الصحوة بدور فاعل في اختيار أئمة الهدى في هذا العصر يكون عبر الحديث عنهم في مجالسنا ، وإثارته في نقاشاتنا ، والتواصي فيما بيننا على من نراه أحق بهذا المنصب والمناصحة فيه ، كما يجب علينا أن نقبل من بعضنا عند عرض الحجج ، وألا نجعل هذا سببا في خلافنا وفرقتنا ، بل يجب أن تكون هذه الفرصة ، وهذا الظرف سببا قويا في جمع كلمتنا ورأب صدعنا .
هل يجوز تمني منصب الإمامة في الدين ؟
إنها من أكثر نقاط بحثنا حساسية ، ولكن الكلام حولها لا بد من طرحه لأنه من تمام بيان الحق في الأمر الذي نحن بصدد النصح فيه ، وبعض الناس يَمْنَعُهُ وَرَعُه من الخوض في مثل هذه الأمور بينما شرْع الله قد حَضَّنَا على معرفة الحكم الشرعي في كل فعل نحتاج إلى فعله أو فعله الناس ونرغب في مناصحتهم فيه.