فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 2255

والاشتهار والاستفاضة والتواتر الذي نعنيه ليس ما تعارف عليه الناس اليوم من شيوع الذكر في وسائل الإعلام ، أو انكباب العوام على أحد ممن عرف بوعظ أو خطابة أو نحو ذلك ، بل المقصود اتفاق الكلمة على وصف المقصود بالعلم ، وبأنه متأهل للنظر في الأدلة ، والإفادة في الملمات والمهمات ، ولا ينظر إلى قول أهل الأهواء ، أو قول المتشددين في التقويم ، بل المعول على من عُرف عدله وإنصافه في الحكم على الآخرين ، إذ يَغْلِبُ في هذا الباب حصول التنافس ، والغلو في الذم أو المدح مما يستدعي تمييزا في حال المحاباة أو المعاداة .

ومن نافلة القول أن نقرر أن الحكم بناء على المنصب والجاه أو الملبس والوجاهة غير معتبر البتة ، لكننا ننقل هنا كلاما ورد في إعلام الموقعين لابن القيم حيث قال ( 4/208) : وكثير منهم ( أي من المدعين للفتوى والمتصدرين لمنصب الاجتهاد ) نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم قال: كان عندنا مفت قليل البضاعة فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب فيكتب تحته جوابي مثل جواب الشيخ فقدر أن اختلف مفتيان في جواب فكتب تحتهما جوابي مثل جواب الشيخين فقيل له إنهما قد تناقضا فقال وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا ، وقد أقام الله سبحانه لكل عالم ورئيس وفاضل من يُظْهِرُ مماثلتَه ، ويَرَى الجُهَّالُ - وهم الأكثرون - مُسَاجَلَتَه ومُشَاكَلَتَه ، وانه يجري معه في الميدان ، وأنهما في المسابقة كفرسي رهان، ولا سيما إذا طَوَّل الأردان وأرخي الذوائب الطويلة وراءه كَذَنَبِ الأَتَان وهَدَرَ باللسان وخلا له الميدان الطويل من الفرسان ، فلو لَبِسَ الحمار ثياب خَزٍّ لَقَالَ الناس يَالَكَ من حِمَار ،وهذا الضرب إنما يُسْتَفْتَوْنَ بالشَّكْلِ لا بالفضل ، وبالمناصب لا بالأهلية ، قد غَرَّهُمْ عُكُوْفُ مَنْ لا عِلْمَ عنده عليهم ، ومُسَارَعَةُ الأَجْهَلِ منهم إليهم ، تَعُجُّ منهم الحقوق إلى الله تعالى عَجِيْجَا ، وتَضِجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا ، فمن أَقْدَمَ بالجرأة على ما ليس له مِنْ فُتْيا أوقضاء أوتدريس استحق اسم الذم ، ولم يَحِلَّ قبولُ فُتْيَاه ولا قضائه هذا حكم دين الإسلام وإنْ رَغِمَتْ أنوف من أناس فقل: يارب لا تُرْغِم سواها أهـ.

وبعد هذه النقول المهمة عن علمائنا في صفات من يتحقق فيه منصب الاجتهاد والفتوى نَرُدُّ العَجُزَ إلى الصَّدْرِ ، ونكرر هنا ما نقلناه عن الإمام النووي والجويني في عدم جواز الإعراض والإهمال ولزوم البحث والمراقبة ، ولكن السؤال المتبادر هنا: وهل هناك آلية معينة للبحث والمراقبة ؟ والجواب هو النفي، ولكن النقول السابقة تشير إلى قضية الاستفاضة والشيوع وهي من الأمور التي يصعب ضبطها ، وإذا أردنا أن نتحدث عن آلية تناسب عصرنا فإن ذلك يستدعي وجود إحصاء دقيق تقوم به جهة معتمدة ، وكل هذا في نظري يُعَقِّدُ الأمور أكثر مما يَحُلُّها ، والمتجه أن يكون هذا المنصب بعيدا عن أي اختيار رسمي أو توجيه جهوي ، حسما لاستقلاليته ، وتوفيرا لِنَزَاهَتِهِ ، وعليه فالصواب أن يكون شيوع أهلية المجتهد بالتواتر العَفْوي الذي لا ترتيب فيه ولا قصد .

وهذا لا ينفي أن يكون لأهل العلم وطلبته دورهم في توجيه اختيار الناس لأنهم نِقاوة الخلق وعُصارة المجتمعات ، وهؤلاء هم زُبْدَةُ أهل الحل والعقد ، وعليهم تدور كلمة المسلمين، وإليهم المآب في الخطوب العِظام والمسائل الجِسام .

وها قد وصلنا إلى نقطة الحسم في رسالتنا ، ومَحَكِّ الإبهام في نازلتنا ؛ هل لأهل العلم وطلبته دور في اختيار المجتهدين وتنصيب المفتين ؟ وإذا كان لهم دور فما هي تفاصيله ؟ وما هي حدوده ؟ وكيف يمكن تفعيل هذا الدور في واقعنا المعاصر ؟ هذه الأسئلة سنجيب عنها في العنوان التالي:

جاء دور شباب الصحوة

لقد مرت الصحوة الإسلامية في هذا القرن بظروف عصيبة ، وخاضت تجارب مُرْهِقَة ومُكَلِّفة ، والمتتبع لعثرات الصحوة ونَهَضَاتها ، وكَبَوَاتِها وقَوْمَاتها يجد أن القائد لها في كل قومة ونهضة ، وحاديها في كل مخرج من مأزق ، أو قائدها في كل حل لمشكل إنما هم أهل العلم ، والدعاة الأماجد ، ممن رزقهم الله نور العلم وبصيرة الفهم ، عَرَكَتْهُم التجارب ، كما صَقَل فَهْمَهُم عِلْمٌ ثاقب ، فاجتمع فيهم مع تمام العُدَّةِ العلمية قيام الكفاية والأهلية ، فصاروا مَفْزَعَ الخلائق بعد الله في كل جائحة ، ومَهْرَبَ الناس بعد المغيث في كل نازلة ، فصح بهذا نسبة الريادة لهم ، واعتقاد الإمامة فيهم ، وتعويل أمر القيادة عليهم ، وإسناد مقاليد الرياسة إليهم .

أوليس خطباء الصحوة ودعاتها وطلبة العلم صغارهم وكبارهم هم زَادُ الصحوة ومَزَادَتُها ؟ أوليسوا هم الذي يقفون في الصفوف الخلفية يرقبون مسيرة الأمة أفرادا وجماعات ؟ أوليسوا هم أئمة المساجد ووُعَّاظُها ومتقدمي الناس في عباداتهم ؟ أليسوا هم المفيدون لهم فيما يَحُلُّ بهم من قضايا ومسائل ؟ إنهم إذا القادة الحقيقيون ، والرواد الأصليون ، وهم الذين يجب أن تكون لهم الكلمة في اختيار أئمة الهدى ومراجع الفتوى .

لقد خَطَتْ الصحوة خطوات واثقة في بناء كوادر المستقبل ، وصار طلبة العلم يملئون الأصقاع ، وما من علم من العلوم الشرعية إلا وللصحوة في مجالها آلاف الطلاب ، وما من ميدان دعوي إلا وقد ساهمت الصحوة فيه بألف نصيب ، ومع ذلك فما زال دور هذه الكتلة الضخمة من طلبة العلم مُهَمَّشَا ومنعزلا . لماذا ؟

إننا يجب أن نعيد صياغة فهمنا لدور طلبة العلم ، ويجب أن يعي طلبة العلم حقيقة دورهم ، فلقد استقر عند كثير منهم أنه ليس لهم من كلمة في مجتمعهم حال كونهم في سن الطلب ، وأنه ليس لكلمتهم من قيمة ما داموا لم يصلوا إلى منصب الاجتهاد والفتوى ، وهذا لعمري من الأخطاء التربوية الفادحة التي وقع فيها بعض الكبار حينما كانوا يُرَبُّوْنَ طلبة العلم على التواضع وهضم النفس وحب الخمول، دَرْءًَا لغائلة الكبر ، وسدا لذريعة العُجْب ، ولكن كم من وسيلة تؤتي نقيض مقصودها .

فبينما كان من أصول الدعوة التي قامت عليها الصحوة بعث روح الاجتهاد بالرجوع إلى الكتاب والسنة ، ونبذ التقليد والعصبية الذين كانا سببا قويا في نفور كثير من الناس عن سماحة الدين ، وكانا سببا مباشرا في الفهم الخاطئ الذي تَوَلَّد عند جماهير العوام ، فضلا عن دورهما ( التقليد والعصبية ) في طمس النماذج المضيئة من علماء الأمة ممن وصلوا إلى منصب الاجتهاد والفتوى ، أقول: بينما كان هذا من أصول الدعوة التي قامت عليها الصحوة ؛ أصبحنا نرى كثيرا من طلبة العلم من شباب الصحوة نَحَوْا جانب التقليد من حيث لا يشعرون بوهم احترام أهل العلم ، وتوقير الأئمة والعلماء ، فتسارع خَطْوُ الفهم الخاطئ حتى وصل إلى احتكار هذا المنصب أو حصره في أسماء معينة أو مناطق معينة أو في جهات معينة ، وهذا كله حَيْف فَرَّتْ منه الصحوة وحاربته أيما محاربة ، وإذا ببعض فصائلها تقع فيه بدون وَعْيٍِ أو شعور .

هل لنا من يقظة جديدة نستعيد فيها دور شباب الصحوة، ونعيد لهم مكانتهم في المجتمع ، باعتبارهم النقاوة التي بها ينصلح المجتمع ، بل هم الصالح الذي يندفع به فساد الباقي ، والنظيف الذي يتطهر بوجوده النجس المترسِّب ، هم نقاوة المسلمين ، وإذا كثروا لم يحمل المجتمع الخبث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت