يقول الإمام النوي رحمه الله في روضة الطالبين (10/225) : فَرْعٌ ، إذا تعطل فرض كفاية أثم كل من علم به وقَدَر ، وعلى من لم يعلم وكان قريبا من الموضع يليق به البحث والمراقبة، قال الإمام ويختلف هذا بكِبَرِ البلد وصِغَرِه وقد يبلغ التعطل مبلغا ينتهي خبره إلى سائر البلاد فَيَجِبُ عليهم السَّعْيُ في التَّدَارُكِ وفي الصورة دليل على أنه لا يجوز الإِعراضُ والإِهمال ويجب البحث والمراقبة على ما يَلِيْقُ بالحال أهـ.
وهذا النص العزيز يفيد تفصيلا دقيقا لما يجب أن يبذله الناس في سبيل التحقق من توافر هذا المنصب ، إذ أن الإمام الجويني ( وهو المراد عند إطلاق الإمام في كتب الشافعية ) أوجب السعي في التدارك ، وأنه لا يجوز الإعراض والإهمال ، وأنه يجب البحث المراقبة على ما يليق بالحال .
وفي هذا العصر الذي نرى فيه اتساع رقعة العالم الإسلامي ، وكثرة طلبة العلم بل العلماء أيضا ، يجب أن يكون التمييز بين العناصر المتصدرة أكثر دقة لأن مجرد الدعوى لم تعد تكفي في إثبات الأهلية ، وقد حكى لنا التاريخ سجالات طويلة بين العلماء كان محورها الرد على بعض من ادعى الاجتهاد حال كون بقية أهل العلم لم يسلموا له بهذا المنصب ، وأشير إلى ما دار بين الإمام السيوطي والإمام السخاوي حول هذه القضية .
وكما هو معروف عند أهل العلم فإن منصب الاجتهاد ليست له شروط منصوص عليها ، بل هي شروط استنبطها أهل العلم من مجمل الأدلة التي تشير إلى ما يجب أن يتوفر في العالم من قدرة على فهم الكتاب والسنة .
فمن تلك الأدلة قوله تعالى: ( ولو ردوه إلى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ، قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية ( 5/292) : والاستنباط في اللغة الاستخراج وهو يدل على الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع أهـ .
ومن مجمل الأدلة قوله تعالى: ( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ، والذكر هو القرآن الكريم كما قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح -: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد) ، ومعلوم أن الاجتهاد هو بَذْلُ الجهد ، ولا يتحقق إلا لمن له آلة ، وإلا كان اجتهاده عبثا .
وما نريد أن نقرره هنا جملة من الشروط الواضحة التي يجب توافرها في منصب الإمامة التي هي مرجع المسلمين في أمور الدنيا والدين .
وقد فصل العلماء كثيرا في الشروط التي يجب توافرها في المجتهد من حيث علوم الآلة وما يحتاجه المجتهد من عدة علمية وقدرة عقلية ، ودارت كلمتهم على ثمانية علوم ألخصها من المحيط للزركشي رحمه الله ( 8/227-236) ، حيث قال عن المجتهد: هو البالغ العاقل ذو مَلَكَةٍ يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها وإنما يتمكن من ذلك بشروط: أولها: إشرافه على نصوص الكتاب والسنة ، ثانيها: معرفة ما يحتاج إليه من السنن المتعلقة بالأحكام ، ثالثها: الإجماع ، رابعها: القياس ، خامسها: كيفية النظر ، سادسها: أن يكن عارفا بلسان العرب وموضوع خطابهم ، سابعها: معرفة الناسخ والمنسوخ ، ثامنها: معرفة حال الرواة في القوة والضعف . ثم قال الزركشي: والحاصل أنه لا بد أن يكون محيطا بأدلة الشرع في غالب الأمر ، متمكنا من اقتباس الأحكام منها ، عارفا بحقائقها ورتبها ، عالما بتقديم ما يتقدم منها، وتأخير ما يتأخر ، وقد عبر الشافعي رحمه الله عن الشروط كلها بعبارة وجيزة جامعة فقال: من عرف كتاب الله نصا واستنباطا استحق الإمامة في الدين أهـ .
ولكن السؤال الذي يلح هنا ، كيف نعرف أن واحدا ممن عرف بالعلم قد وصل لهذه المرتبة ، أعني الاجتهاد ؟ حكى الخلاف في هذا المسألة الإمام النووي رحمه الله فقال في كتابه آداب الفتوى ص71-72): يجب عليه قطعا البحث الذي يعرف به أهلية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن عارفا بأهليته فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى العلم وانتصب للتدريس والإقراء وغير ذلك من مناصب العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك ، ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلا للفتوى ، وقال بعض أصحابنا المتأخرين إنما يعتمد قوله أنا أهل للفتوى لا شهرته بذلك ، ولا يكتفي بالاستفاضة ولا بالتواتر لأن الاستفاضة والشهرة بين العامة لا يوثق بها وقد يكون أصلها التلبيس وأما التواتر فلا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس والصحيح هو الأول لأن إقدامه عليها إخبار منه بأهليته ، فإن الصورة مفروضة فيمن وثق بديانته ويجوز استفتاء من أخبر المشهور المذكور بأهليته، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي المصنف رحمه الله وغيره يقبل في أهليته خبر العدل الواحد أهـ .
وما حكاه النووي عن بعض المتأخرين من الشافعية في حصر الاعتماد على من صرح عن نفسه بأنه أهل للفتوى ضعيف لا يُعَوَّلُ عليه ، فإن من المجتهدين من يبلغ الورع عنده درجة حب الخمول ولا يصرح عن نفسه بعلم أصلا فضلا عن اجتهاد وإمامة،وتضعيفُهم الاعتماد على الاستفاضة هوالضعيف ، فحق الاستفاضة المعتبرة أن تكون من أهل العلم وطلبته ، فهم الذي يؤمن في جانبهم التلبيس والانخداع ، وقول المتأخرين إن التواتر لا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس تَعَمُّقٌ كلامي في قضية واضحة جلية ، فإن علم المجتهد لا يمكن أن يكون مستترا متخفيا أبد الدهر ، بل لا بد له من الظهور والانبثاث ، قد علم هذا باستقراء أحوال العلماء والأئمة في كل العصور ، والله سبحانه وتعالى قد تكفل بوجودهم حين أمر المكلفين بسؤالهم ، ولا يمكن أن يؤمر المكلف بسؤال أهل العلم حال كونهم غير موجودين أو مستترين لا يظهر علمهم واشتراط استناد التواتر إلى معلوم محسوس إنما هو جريا على اصطلاح المحدثين ، وإلا فإن التواتر له معان أخرى عرفية ، مثل تواتر ورع بعض الصالحين وزهدهم واستجابة دعائهم وهذا كله غير محسوس .
صفوة القول أن معرفة المجتهد تكون بالاستفاضة بين العامة والخاصة من أهل العلم بعلو منزلته ، وصلاحيته للفتوى، أو بالتواتر الشائع بين الناس أن فلانا متأهل للفتوى والإفادة ، وأما إخباره عن نفسه فليس بشرط ، كما أن عدم إخباره ليس بقادح على الصحيح ، وهذه القضية تحتاج إلى تكييف جديد في عصرنا .
فالاستفاضة المقصودة بين أهل العلم وطلبته أن يعرف الكافة جهود ذلك المجتهد ومقدرته العلمية ، إما عن طريق مؤلفاته أو دروسه أو إقرائه ، سواء شاع ذلك عن طريق وسائل الإعلام أوعن طريق مجالس العلم والعلماء ، ولا يشترط أن يجيزه أهل العلم ليكون متأهلا للفتوى ، بل إن شيوع تأهله وذيوع مقدرته على الفتوى كاف .
وكيف يعلم أن هذا الشيوع والذيوع معتبر ؟ بتوالي اطلاع أهل العلم وطلبته على فتاواه وعلمه ونقد الناس له وسبرهم لما يصدر عنه من آراء . وهذا لا شك يحتاج إلى وقت وزمان حتى يتسنى حصول المذكور .
وبناء على ما قررنا فليس الحصول على الشهادات الجامعية بمختلف مراتبها شرطا في التأهل للاجتهاد، ولا مجرد الإخبار عن النفس كافيا في ذلك ، لأن كل هذا ليس مفيدا في رفع الجهالة عن المجتهد ، قال الزركشي في المحيط (8/362) : إنما يَسْأَلُ من عُرِفَ علمُه وعدالتُه بأن يراه منتصبا لذلك ، والناس متفقون على سؤاله والرجوع إليه ، ولا يجوز لمن عُرِفَ بضد ذلك إجماعا ، والحق منع ذلك ممن جُهِلَ حاله خلافا لقوم أهـ .