وهكذا كان حال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في حمل هم أمانة تبليغ الرسالة ، فهذا رِبْعِيُّ بن عامر يقرر ويعلن الإعلان العالمي لرسالة الإسلام المسلمين فيقول فيما رواه الطبري في تاريخه عن أحداث فتح فارس ( 2/104) : الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.
لقد كان الدور الذي قاموا به في هداية البشرية مستحقا لمنصب الإمامة التي تقلدوها ، لذلك نقل ابن حجر في غير موضع في الإصابة أن المسلمين لم يكونوا يؤمرون في الفتوح إلا الصحابة لما لهم من منزلة وسبق جهاد وبذل في سبيل نشر الدين .
إن الحقيقة التي لا يمكن أن تحتمل الجدال أن الحقوق تتقرر وفق الواجبات ، وهذا مقرر في كتاب الله بأكثر من طريقة ومسلك ، قال الله تعالى: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، وقال الله تعالى: ( وجعلناهم أئمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ، وقال الله تعالى: ( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ) .
وقد استحق الصحابة والرعيل الأول إمامة الدنيا بما بذلوا في سبيل هذا الدين ، وبما كان لهم من جهود لا ينكرها إلا جاهل أو جحود . قال ابن حجر في الفتح (7/6) في شرح حديث: (خير الناس قرني ) : قوله: (ثم الذين يلونهم ) أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون ( ثم الذين يلونهم ) وهم اتباع التابعين واقتضى هذا الحديث ان تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة الى المجموع أو الافراد محل بحث ، وإلى الثاني نحا الجمهور والأول قول ابن عبد البَرِّ والذي يظهر أَنَّ مَنْ قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم أو في زمانه بأمره أو أنفق شيئا من ماله بسببه لا يَعْدِلُهُ في الفضل أحدٌ بَعْدَهُ كائنا مَنْ كان وأما مَن لم يقع له ذلك فهو محل البحث والأصل في ذلك قوله تعالى: ( لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا مِنْ بَعْدُ وقاتلوا ) الآية أهـ .
وقال المناوي في فيض القدير ( 2/185) : أنهم إنما كانوا خيرا لأنهم نصروه وآووه وجاهدوا معه وقد توجد نحوُ هذه الأفعال آخر الزمان حين يكثر الهَرْجُ وحتى لا يقال في الأرض الله، قال الكلاباذي وغيره: وأما خبر ( خير الناس قرني ) خاص بقوم منهم ، والمراد في قرني العشرة وأضرابهم وأما سواهم فيجوز أن يساويهم أفاضل أواخر هذه الأمة كالذين ينصرون المسيح ويقاتلون الدجال فهم أنصار النبي وإخوانه أهـ .
إن نصرة الدين ورفع رايته والجهاد في سبيله ، وبذل الغالي والرخيص لعلو كلمته هي الثمن الطبيعي للإمامة ، أعني الإمامة الحقيقة التي يهبها الله لأوليائه لا إمامة الغلبة أو إمامة المنصب التي ينالها بعض العلماء بقوة السلطان وسطوة الجاه والمال ، فهذا لا تَسْرِي إمامة مثله على القلوب ، وإنما خضوع الناس له كخضوعهم لذي الشوكة الذي تَغَلَّبَ بسيفه على كُرْهٍ من الناس مُسْتَلِبًَا حق الشورى من كُبَرَائِهِم وأهل الحل والعقد منهم .
وكم رأينا من أناس اشتهرت أسماؤهم ، وذاع صيتهم في وسائل الإعلام بل طُبِعَتْ مؤلفاتهم ووُزِّعَتْ بالمجان ، ولكن قبول الناس لهم لم يكن إلا كمثل قبولهم لسلعة مغشوشة تَكَثَّفَ الإعلان عنها ، ولكن ريثما ظهرت رَدَاءَتُها فَاطَّرَحَها الناس وأعرضوا عنها.
وكم رأينا من علماء عاشوا في أَكْنَافِ الخُمُوْلِ ، آواهم ظِلُّ السكون والإهمال ، ولكن أبى الله إلا أن يجعل لكلمتهم النفوذ والشهرة والانتشار ، فمع معاداة أهل القوة لهم ، واجتماع وسائل الإعلام على حصارهم وإهمال ذكرهم اختارتهم الأمة راضية ، واصطفتهم على سُدَّةِ الريادة ، وكانت لهم بين العالمين زِمَامُ القيادة .
ولنضرب مثلا بالأئمة الثلاثة الذين قضوا نحبهم واحدا إثر الآخر ، لقد كانوا مَحَارَبين مِنْ وسائل الإعلام ، ومتهمين في كل دوائر المراقبة بأنهم أصحاب الفتاوى المتطرفة، وكم علت أصوات المنافقين في الاستهزاء بهم ولمزهم والانتقاص من شأنهم ، ومع ذلك كانت فتوى الواحد منهم كفيلة بأن تدير دفة الصحوة الإسلامية في كل أرجاء المعمورة، وكانت كلمة الواحد منهم كفيلة بتهدئة ثورات وإخماد نعرات وإبطال جهالات ، والله يصطفي من يشاء وهو أعلم بالشاكرين .
كانت إمامة هؤلاء لا بالقوة والجاه والإعلام ، بل بسيرتهم التي شهد بطهارتها القاصي والداني ، والقبول الذي كتبه الله لهم في الأرض ما كان ليعوقه إرجاف المرجفين وتشويه المغرضين والحاقدين .
إنني أناشد الذين يبحثون الآن عن المرجعية الملائمة لصحوتنا الإسلامية في العالم أجمع أن يجعلوا هذه الصفات نصب أعينهم حين اختيارهم ، فنحن نريد إمامة حقيقية تقود صحوتنا إلى الظفر المنشود والنصر الموعود ، ولا نريد مجرد أسماء لمعت في وظائفها الحكومية لكنها خلت من أي بذل أوجهاد أوصبر أومراغمة لأهل العناد .
والسؤال الذي يَطْرَحُ نفسه: إذا كنا نقول بأن وجود المجتهد والمرجع فرض كفاية ، فكيف لنا أن نعرف أن هذا الفرض قد تم سَدُّه ، وأن هناك من يقوم به ؟ وهل مجرد الاتكال على وجود بعض طلبة العلم أو العلماء الآخرين كاف في ارتفاع هذا الفرض وعدم إثم الأمة ؟ هذا ما سنجيب عليه في العنوان التالي:
يجب البحث والمراقبة لمنصب الإمامة والاجتهاد
لم يختلف العلماء المعتبر بقولهم في أن منصب الاجتهاد فرض كفاية على الأمة ، وأن الأمة تأثم إذا خلا فيها هذا المنصب الذي يرجع إليه المسلمون ليفصل لهم في شئون دينهم ودنياهم .
ولكن الخلاف بين أهل العلم اتسع في كيفية تحقق هذا الفرض الكفائي ، تبعا لاختلافهم فيما يجب أن يقوم به المكلفون لتحقيق أي فرض كفائي .
لكن جملة آرائهم دائرة حول وجود غلبة الظن في تحقق الفرض الكفائي ليسقط الإثم ، وإن لم يتحقق الفرض الكفائي في واقع الأمر .
والمعنى أن المكلفون لو غلب على ظنهم جميعا أن بعضهم قد قام بالفرض الكفائي ( مثل الاجتهاد ) قياما كافيا كفى هذا في إسقاط الإثم ، وإن لم يقم به أحد في الحقيقة .
تُعَدُّ هذه المسألة من أدق المسائل المتعلقة بسياسة الأمة ، وهي بوظائف الحاكم ألصق منها بوظائف الرعية ، لأنه المنوط به توفير احتياجات الأمة في دينها ودنياها ، فإذا كان مُتَعَيِّنًَا على الحاكم أن يَحْمِيَ بَيْضَةَ الدين من مؤامرات المتربصين ، وهجمات الأعداء فَأَحْرَى أن يتعين عليه توفير ما يُؤَمِّنُ للمسلمين الحفاظ على دينهم وأحكام شرعهم .
لهذا لم تختلف كلمة الفقهاء على أن من وظائف الحاكم المسلم نصب القضاة في البلاد بالقدر الكافي في الفصل بين الخصومات بين الناس على مقتضى شرع الله تبارك وتعالى .
ومع هذا الوضوح فيما يتعلق بلزوم توفر منصب الاجتهاد في الأمة ، إلا أن قليلا من الفقهاء هم الذين تعرضوا بدقة لكيفية التحقق من توافر هذا المنصب حتى يعرف على وجه اليقين توجه الخطاب به كفرض كفائي وتعلقه بالأمة على وجه المجموع .