وإليك أيها القارئ مُثُلا تدرك بها حقيقة ما أقول: لقد شاع في العالمين فضل الإمامين الذهبي والمِزِّي ومن في طبقتهم من أئمة الحديث ، حتى غدت مصنفاتهم المعول عليها في الفن، والمرجوع إليها في الفصل بين المتنازعين ، فلما جاء الإمام ابن حجر نسخت كتبه ما كان عليه الناس من اهتمام بكتب الإمام الذهبي والإمام المزي ، مع أن في كتب هذين من التحقيق والفوائد والفرائد ما ليس عند الإمام ابن حجر ، ويرحم الله الجميع .
وقِسْ على هذا ما نراه الآن من تعويل الناس في معرفة الصحيح والضعيف على كتب الشيخ الألباني رحمه الله ، حتى صار اقتناء تلك الكتب علامة على طلب العلم وشامة في مكتبة طالب العلم ، وهذا مع كونه لا يمارى في فائدته إلا أنه جعل طلبة العلم في غفلة عن المراجع الأخرى المهمة والمفيدة التي يرجع إليها في هذا العلم مثل كتب العلل ونحوها ، ولكن تسهيل الشيخ الألباني رحمه الله لهذا العلم جعل الناس يركنون إلى الطريقة المثلى في معرفة الصحيح والضعيف من الآثار دون تجشم عناء الغوص في كتب الحديث المتخصصة ، وهذا لعمري كاف في حق المقلد في هذا الباب ، ولكنه ليس بمانع المجتهد أن يتعقب الشيخ الألباني وغيره فيما بدا له أن السابق قد ند وأخطأ فيه .
إننا نرى الآن جمهرة كبيرة من علماء الحديث ، لهم قدرة فائقة على نقد الأسانيد ، وتعمق وغوص في اصطلاحات أهل العلم ، وقد اعترف لهم الشيخ الألباني بالدقة والعمق في أبحاثهم ، ومثل هؤلاء لا يقلون عن الشيخ الألباني في هذا الباب إلا بما سبق إليه الشيخ رحمه الله ، فإنه بز في هذا العلم يوم كان غريبا لا نصير له ولا معين .
وكذلك نرى من أهل الفتوى من علماء العصر كثيرون لهم نفس التحقيق والتدقيق الذي كان عند الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله ، وليس من شيء يقلون به إلا سبق الإمامين لهم في الفضل والعلم والتقوى ونحو ذلك من الصفات الحميدة .
هل نكون إذا من المبالغين إن قلنا إن في الأمة عشرات مثل الشيخ الألباني وعشرات من الشيخ ابن باز وعشرات من الشيخ ابن عثيمين ، لا والله لا نكون مبالغين ، ولكننا سنكون أقرب إلى الشطط إن ظننا أن النساء عقمن أن يلدن مثل أولئك الأئمة الذين رحلوا عنا.
بماذا تُنال الأمامة ؟!
سؤال قديم أجاب عنه القرآن ، وأيقظ معناه وشَهَّره في الناس شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين ، وقد استدل بقول الله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) .
وواضح الآية تضمنت شروطا أخرى في أولئك الأئمة ، مثل الهداية التي أوتوها ، وكونهم مهتدين بها ، وكونهم يجعلون هذه الهداية عدتهم في دعوة الناس وأمرهم باتباع طريقهم . ولكن الإمامة عُلِّقَتْ بالصبر واليقين فحسب ، فما السر في ذلك ؟
السر في ذلك أن تحصيل العلم في حد ذاته ليس أمرا جللا،ولا النبوغ فيه يعتبر معجزة من المعجزات، بل هو ميسور للجمهرة الغفيرة من الناس ، كما أن وجود العالم التقي الورع أيضا ليس خطبا كبيرا ، ففي كل عصر يمكننا أن نعد المئات من أهل العلم ممن توافرت فيهم صفة العلم والهداية والتقوى .
وبنفس المنطق نقول إن الدعوة إلى الله تعالى عمل يسير يمكن لأي أحد أن يقوم به ، ونحن نرى أصحاب الملل جميعها يجهدون في الدعوة إلى مللهم ونحلهم .
ولكن الذي صعب توافره في كل أولئك هو العنصران اللذان نصت عليها الآية: الصبر واليقين .
فلنتحدث عن هذين العنصرين بشيء من التفصيل .
إن المجتمعات ترى الكثير من أهل العلم الذي رزقهم الله علما وتقوى وورعا وخلقا ، وتراهم يغدون ويروحون في سبيل دعوة الخلق لله تعالى ، لقد غدا هذا الأمر بين الناس عاديا ، لدرجة أنه ليس من الغريب أن نرى حقل الدعوة يزخر الآلاف بل بمئات الألوف من العاملين في حقله والسالكين في دربه .
ولكن المجتمعات تنظر بعين التعجب إلى تلك الزمرة التي تستمر على هذا المسلك سنين متطاولة ، وتصبر على كل الأذى الذي يلحق بها ، وتتحمل كل َلأْوَاءَ في سبيل هذا الطريق الذي سلكته ، كما أنها تتعجب أكثر حين ترى تلك العصابة التي صبرت على صنوف الأذى طيبة النفس هانئة البال ، تنظر إلى المقادير بعين واثقة ، وتتصرف مع المشاكل بنفس وادعة ، كأنه تنظر إلى الغيب من طرف خفي ، إنهم الأئمة الصابرون المستيقنون.
تأتي الأعاصير تلو الأعاصير ، وتجدهم ثابتين على مبادئهم لا يخونون ، تتبدل البلاد والأقاليم ، ويتغير الحال من حال إلى حال ، وشأن هؤلاء كما عهدهم الناس مذ قاموا فقالوا ربنا الله لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا .
إن من أوضح السمات التي يمكن أن تلحظها في الشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله أن سيرتهم لم تتبدل على مر السنين ، لقد ظلوا مخلصين لمنهجهم ، صابرين عليه ، مذ كان غريبا مطاردا حتى أمسى كالبدر الساطع لا يحجبه غيم أو سحاب .
لقد صبر أولئك الأئمة ، واستيقنوا نصر الله ، وتوطدت عندهم إرهاصات التمكين ، ووثقوا في صدق سيرهم وصحة طريقهم ، فلم يضرهم قلة السالكين ، وأيقنوا بخطأ طريق الضالين ولم يغتروا بكثرة الهالكين .
ومن العلامات المضيئة في حياة الأئمة عموما تفانيهم في خدمة الدين ، والقيام بأعبائه من فتوى وإرشاد ونصح، وشدة شففتهم على حال كل المسلمين في كل العالم .
إن بعض الناس يظن أن كثرة المؤلفات لعالم كافية في جعله إماما ، أو أن تسنمه منصب التدريس دهورا حري بأن يجعله مرجعا من مراجع المسلمين ، أو أن دخوله معترك السياسة ومناصحة الحكام وحده كاف صب الإمامة ، بل هذا كله من لوازم الإمامة ، ويضاف إليه فناء وقت هذا العالم في سبيل الإسلام والمسلمين ، فهو لا يدخر وقتا أو يفضل لنفسه زمانا ويقدمه على مصالح المسلمين ، بل تجد وقته كله عامرا بالنفع لغيره ، إنه يعيش لغيره حقيقة ، وتجد مصداق ذلك في هندامه الذي لا يهتم به بالتأنق فيه كثيرا ، وفي الرهق الذي يعلو محياه آخر كل يوم ، لقد أفنى يومه كله في السعي في أمور المسلمين ، دعوة وسعيا على المحتاجين وإقامة لحجة الله في الأرض ، يا لها من مسئوليات لو كان لها عاقلون .
أفيكون الواحد من أولئك ذا نِعْمَةٍ ورَفَاهٍ ، وبَسْطَةٍ ورَغَدٍ في العيش ، لا يَأْرَقُ لحال الجياع ، ولا يحزن أو حتى يفكر في مآل من ضل الطريق ، ويتنعم بما آتاه الله من علم وبسطة في الرزق دون أن يكون عنده الإيثار الذي تميز به الصحابة الأوائل ، أو التفاني في البذل الذي كان من شيم أهل المروءات فضلا عن أهل العلم والتقوى والدين ... ثم نظن أن مثل هذا يمكن أن يطلق عليه أنه إمام من أئمة المسلمين ؟!!
لقد كان أرق الرسول صلى الله عليه وسلم لحال أمته نموذجا لكل من تلقى عنه ميراث النبوة ، ألا وهو العلم ، كان أرقه قد وصل إلى الحال التي عاتبه عليها ربه ، قال القرطبي في التفسير ( 4/28) : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرط في الحزن على كفر قومه فنهى عن ذلك كما قال: ( فلا تَذْهَبْ نفسُك عليهم حسرات ) وقال: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) .