فهرس الكتاب

الصفحة 1607 من 2255

(19) كامل أبو صقر، العولمة، دار الإسلام، بيروت،ط2،2000،صفحة 145

أضواء على الحركة الإسلاميّة في تونس 1 /3

يحيى أبوزكريّا 29/2/1423

يذهب بعض الباحثين والكتّاب إلى القول إنّ الحركة الإسلامية التونسية عريقة عراقة جامع الزيتونة في تونس , ومعروف أنّ هذا الجامع لعب دورا كبيرا في تاريخ تونس، كما ساهم في الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية لتونس، ووقف سدّا منيعا في وجه الاستعمار الفرنسي الذي كان يعمل على فرنسة تونس ، وجرّها إلى دائرة التغريب والفرنسة .

وقد خرّج جامع الزيتونة عشرات الشخصيّات المغاربية التي قادت العمل الوطني والنضالي في أقطار المغرب العربي , وكان مناهضو الاستعمار يلجؤون إلى الزيتونة لإكمال دراستهم والتزوّد من معين الوطنية والإسلام , وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ رئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس قد درس في جامع الزيتونة , كذلك شيخ الحركة الإصلاحية في تونس الشيخ الثعالبي وغيرهم .

ويرتبط ظهور الحركات الإسلامية في تونس بتحركات بدأت في جامع الزيتونة في أواخر الستينات، حيث شرعت شخصيّات إسلامية، منها الشيخ عبد القادر سلامة، ومحمد صالح النيفر، والشيخ بن ميلاد، في إلقاء محاضرات، ومواعظ، ودروس دينية، وبعض هذه المحاضرات كانت تنتقد الحال السياسية، والثقافية، والاقتصادية، في تونس .

وكان من بين الذين درسوا في الزيتونة في هذه الفترة بالذات عبد الفتّاح مورو (أحد أهمّ المشاركين في تأسيس الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس) وبدأ مهمته تلك في عقد صلات وثيقة بشخصيات وأوساط تونسية .

ويقول الدكتور حيدر إبراهيم علي (صاحب كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية) : إن تاريخ الحركة الإسلامية التونسية هو التاريخ الموازي والمضاد للبورقيبية، وفي إطار أوسع للغرب , فقد كان الحبيب بورقيبة من أكثر الزعماء صراحة في إعجابه بالثقافة الغربية , وكان -أحيانًا - يعبّر عن استيائه للثقافة العربية التي تشتمل -ضمنًا- بعض العقائد الإسلامية والدينية ..

ويقول الباحث هشام جعيّط عن الحبيب بورقيبة: بقي بورقيبة بالفعل مبهورا بأوروبا ولا سيمّا بفرنسا , وهو يشمئزّ في قرارة نفسه من الفكرة العربية والمشرق، ويعدُّه عالما مغايرا تماما لعالَمِه وله الشعور أنّ العروبة صيغة رجعية مغرقة في التقاليد واللاعقلانيّة، وأنّ القومية العربية فكرة ديماغوجيّة .

لقد شكلّت علمانية بورقيبة خطرا على الأمن الثقافي التونسي، حيث أصبحت الهويّة العربية والإسلامية مهددّة في تونس , كما أصبحت القيم الإسلامية مطموسة؛ بسبب المناهج التعليمية، والخطط الإعلامية المستوحاة من توجيهات بورقيبة العلمانية , وهذا ما جعل الحركة الإسلامية التونسية تركّز على الجانب الفكري، والتربوي، والثقافي ،والتأكيد على أنّ الإسلام حضاريّ في بعده , وأنّ الحضارة الغربية - بإفرازاتها المادية - خطرة على المجتمع التونسي، وهي تهددّ الكيّان التونسي، بالانهيار الكامل .

وفي بداية السبعينات التقى عبدُ الفتّاح مورو راشد الغنوشي، الذي كان في -وقت سابق- معجبا بالفكر القومي الناصري ثمّ تبنىّ الفكر الإسلامي , ونشأت صداقة بينهما انعكست على نشاطهما السياسي فيما بعد .

ولد راشد الغنوشي (زعيم حركة النهضة) في حامة قابس، ودرس المرحلة الابتدائية في بلدته حامة قابس , والمرحلة الثانوية في المدرسة الثانوية التابعة لجامعة الزيتونة ثمّ انتقل إلى بلدة مثيلبة حيث نال الشهادة الأهلية - المتوسطة - ومن تمّ درس في المدرسة الخلدونية في العاصمة التونسية، وبعد ثلاث سنوات حصل على الثانوية العامة .عمل في بداية حياته العملية معلّما في مدينة قفصة حتى سنة 1964 , وبعدها سافر إلى دمشق ليدرس الفلسفة، حيث حصل على إجازة في الفلسفة سنة 1968 .وفي دمشق تسنىّ له أن يقرأ النتاجات الفكرية للإخوان المسلمين وتحديدا ماكتبه سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي (أمير الجماعة الإسلامية في باكستان) . وبعد إتمام دراسته في دمشق عاد راشد الغنوشي إلى تونس سنة 1969 , وباشر التدريس في ثانويات تونس (العاصمة) و حمّام الأنف، والقيروان . وفي سنة 1979 ترك التدريس وتفرغّ لاستكمال دراساته العليا في الشريعة الاسلامية . (1)

وفي سنة 1970 قررّ -مع عبد الفتّاح مورو- الشروع في اعطاء دروس وإقامة حلقات دينية تعليمية في المساجد , وكانت جلّ هذه الدروس تتمحور حول حضارية الإسلام وخطورة الثقافة الغربية المادية (2) .

وانضما كلاهما إلى جمعية المحافظة على القرآن الكريم سنة 1971 وأخذا يمارسان نشاطهما. ومن جامع (سيدي يوسف) في العاصمة التونسية بدأت الفكرة الإسلامية تسطع، وتخرج من دائرة المسجد إلى دائرة الجامعة .

وقد عمل راشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو، على إقناع أكبر عدد ممكن من النخب المثقفة في المساجد، والمعاهد التعليمية بأنّ الاسلام هو البديل الحضاري الحيّ , وشرع راشد الغنوشي في كتابة مقالات في جريدة (الصباح) اليومية، والتي أتاحت له نقل أفكاره الى أكبر شريحة ممكنة من المثقفين , كما كان يكتب في مجلة (جوهر الإسلام) لصاحبها الشيخ المستاوي . ومع بروز مجلة (المعرفة) التي كانت المنبر الفعلي للحركة الإسلامية في تونس كثفّ راشد الغنوشي من كتابة المقالات التي تتناول الحضارة الغربية وإفرازاتها الماديّة وانعكاساتها الخطيرة على مجمل الأوضاع في البلاد الإسلامية , وكان راشد الغنوشي في هذه المرحلة معجبا بفكر سيد قطب، ومالك بن نبي، وأبي الأعلى المودودي، و محمد الغزالي.

وكانت مجلة (المعرفة) - والتي كان راشد الغنوشي أحد كتّابها- تركّز على مواجهة الفكر اليساري والعلماني، وموضوع المرأة في الإسلام .وأثناءها تأسسّت مجلة المجتمع، حيث بدأ معها الخطاب الإسلامي يتبلور شيئا فشيئا .

ولم تكن هذه التحركات لراشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو، بمنأى عن رصد السلطة التونسية التي كانت تراقب -عن كثب- هذه التطورات، وخصوصا بعد أن أصبحت الظاهرة الاسلامية بارزة في الجامعات، والثانويات، والمعاهد التعليمية، والمساجد .

وبعد سنوات من النشاط المتواصل انعقد اجتماع سرّي عام 1979 بضاحية منوبة في تونس، قررّ إثْرها راشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو، تأسيس تنظيم إسلامي على غرار تنظيم الإخوان المسلمين , أطلقوا عليه اسم: الجماعة الإسلامية .

وكان بعض الحضور يرفض فكرة التنظيم، وطالب بإبقاء الحركة الإسلامية في تونس بعيدة عن متاهات التحزّب و السياسة , والاسترسال في العمل الثقافي، والتعليمي، والتربوي، والاجتماعي . ومن الذين عارضوا فكرة التنظيم: أحميدة النيفر، وصلاح الدين الجورشي، وزيّاد كريشان، الذين فضلّوا تأسيس جماعة أطلقوا عليها اسم (الإسلاميون التقدميون) وكانوا يتحركون في الخطّ الثقافي العام .

وإثْر إعلان الحزب الدستوري الحاكم في تونس عن مشروع التعددية السياسية سنة 1981 , بادر أعضاء الجماعة الاسلامية التي كان يتزعمها راشد الغنوشي إلى عقد مؤتمر عام، أعلنوا -في ختامه- عن حلّ الجماعة الإسلامية، وتأسيس حركة جديدة باسم حركة الاتجاه الاسلامي , وانتُخِبَ راشد الغنوشي رئيسا لها، وعبد الفتّاح مورو أمينا عاما لحركة الاتجاه الاسلامي , وتمّ الإعلان رسميا عن هذه الحركة في 06-06-1981 , وتقدمّت هذه الحركة الجديدة بطلب إلى وزارة الداخلية للحصول على اعتماد رسمي , ولم تتلق هذه الحركة أيّ جواب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت